من مستقبل الى ماضٍ" [1] . وهذا هو المشهور وله فوائد منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال، لما جُبلت عليه النفوس من حُبَّ التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد وهذه فائدته العامة [2] ."
اما الخاصة فتختلف بخواص مجالاتها وقد ذكرها الزركشي وهي بحسب الاغراض منها للتعميم والتنبيه والتنميم والمبالغة والاختصاص والاهتمام والتوبيخ [3] . ولأهمية هذا الاسلوب في اعطاء النص ايحائية عالية ودلالة قوية نجدهُ كثيرًا ما يتكرر في آيات القرآن الكريم مما جعل اكثر المفسرين يهتمون به اهتمامًا ملحوظًا كيف ولا، ومجيء الالتفات في كتاب الله العزيز في اكثر من موضع وأول سورة فيه تحمل هذا اللون من التعبير فقد قال - سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {الفاتحة: 1 - 5} . إذ بُديء الحديث بضمير الغائب (الله) ثم تتالى مجيء قوله تعالى: {اياك} فانتقل الكلام من ضمير الغائب الى ضمير المخاطب ... وكرر الضمير حثًا على المبالغة في طلب العون {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [4] .
واختلفت آراء البلاغين في تناول المصطلح فمنهم من تناوله في علم البديع كابن المعتز ت 496هـ. ومنهم من ذكره في البيان كابن الاثير ت 637هـ، او ثالث عده من علم المعاني كالعلوي [5] .
والبقاعي اهتم بهذا الاسلوب واكثر من ذكره؛ إذ ما من آية تحمل في طياتها التفاتًا او عدولًا إلا وضع هذا الاسلوب وسببه، مما جعله يهتم في تفسيره للكشف عن المعاني البلاغية الكامنة في ايحائية النص وبنيته وذلك من خلال الكم الهائل الذي حشد في تفسيره لهذا الاسلوب وما يخرج من اغراض بلاغية.
فقد حدد البقاعي اهمية اسلوب الالتفات ومن ثم بين الاغراض البلاغية التي يؤديها ومنها المهابة والتعظيم لدى المتلقي كما في قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا
(1) المثل السائر: 2/ 181، وكتاب البديع: 58، وفن الالتفات في البلاغة العربية: 24.
(2) ينظر: البرهان: 3/ 326، والاتقان: 2/ 902.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 3/ 325 - 330.
(4) ينظر: نظم الدرر: 1/ 32 - 33، والكشاف: 1/ 62، وانوار التنزيل: 1/ 9، وارشاد العقل السليم ... 1/ 12، والتحرير والتنوير: 1/ 109.
(5) ينظر: الطراز: 2/ 131، وفن الالتفات: 156.