في {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} عائدية الضمير الى الكائنين في الفلك وهو خروج من خطاب الى غيبة وهو للمبالغة [1] .
والذي يظهر والله اعلم أنَّ حكمة الالتفات هنا هي أنَّ قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... } خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة للمخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار والخطاب شامل [2] . وهكذا فإنَّ البقاعي وبقية المفسرين نصوا على موضع الالتفات وذكروا الغرض البلاغي للانتقال من الحضور الى الغيبة وهو المبالغة في التعجيب من كفرهم فالخطاب كان عامًا ثم خصص {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} وكذلك كان الكلام يدور حول نعم الله لينبه بعد ذلك في الانتقال الى ضمير الغائب الى كفرهم بهذه النعم.
وهناك رأيان آخران في هذا الالتفات ذكرهما السيوطي [3] .
الأول: يقول: إنَّ الكلام في بداية الآية مقصود به أناس معينون ثم قصد أن يجمعهم وغيرهم فقال: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} .
والاخر: فيه اشارة صوفية يقول: انهم وقت الركوب حضروا، لانهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح فخاطبهم خطاب الحاضرين. ثم لما جرت الرياح بما لا تشتهي السَفن، وأمنوا الهلاك، لم يبق حضورهم كما كان، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة.
ويأتي الالتفات عند البقاعي لغرض التفخيم والتشريف والإجلال كما في قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} {آل عمران: 36} . وقد بين البقاعي انها عبرت بالاسم الاعظم موضع ضمير الخطاب إشارة الى سؤالها في ان يهبها ويرزقها من جلاله ولمّا تم ما قالته عند الوضع اتم - سبحانه وتعالى - الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلال الى الخطاب وقرئ بتسكين التاء الذي هو عدول لغاية الاشراف [4] . وامثلته كثيرة في تفسيره [5] .
(1) ينظر: البحر المحيط: 5/ 138.
(2) المصدر نفسه: 5/ 138.
(3) ينظر: الاتقان: 2/ 904.
(4) ينظر: نظم الدرر: 4/ 352. وقرأ ابن عأمر وأبو بكر وعاصم بضم التاء واسكان العين - ينظر الحجة لأبي زرعة /160، والسبعة: 204، والنشر: 2/ 239، والتبيان: 1/ 254، وغريب القرآن: 104، والحجة لابن خالويه: 108، وقد اخطأ البقاعي إذ قال وقرأت بتسكين التاء ولا توجد هذه القراءة.
(5) ينظر: على سبيل التمثيل: 4/ 176 و 5/ 322 و 9/ 25 و 10/ 437 و 14/ 420 و 15/ 79 و 17/ 318.