الصفحة 250 من 302

يتضح مفهوم المبالغة عند البقاعي من خلال استعراض المواضع الاتية التي تحدث فيها عن المبالغة: ومنها بلوغ الغاية في المعنى واستقصائه والتناهي فيه ومنه قوله تعالى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} {التوبة: 92} . قال فيها:" {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} تمتلئ فتسيل، واسناد الفيض اليها ابلغ من حيث انها جعلت كلها دمعًا: ثم بين الفائض بقوله: {مِنَ الدَّمْعِ} أي دمعًا، والاصل: يفيض دمعها" [1] .

وقد تأتي المبالغة في مواضع، وتدل على الزيادة النسبية في المعنى وتحقق عن طريق صيغة جاء عليها الكلام لا تتحقق في صيغة أقل منها. وقد لا تعني بلوغ الغاية في المعنى والتناهي فيه من ذلك تفسيره لقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} {المائدة: 37} . قال:"وهو ابلغ من قولك يخرجون منها ... أي ما يثبت لهم خروج اصلًا، ولعله عبَّر في النفي بالاسمية اشارة الى انه يتجدد لهم الخروج من الحرور الى الزمهرير، فان سمي احد ذلك خروجًا فهو غير مرادهم" [2] .

ومنه قوله تعالى: {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} {النمل: 18} قال البقاعي:"أي يكسرنكم ويهشمنكم ... ، فهو نهي لهم عن البروز في صورة نهيه وهو ابلغ من التصريح بنهيهم" [3] .

وترتبط المبالغة عند البقاعي بالتوكيد فهي تقترن به وأشار الى ذلك في مواضع عِدَّة فمن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {البقرة: 21} . قال:"وأكد سبحانه الكلام بالابهام والتنبيه والتوضيح"

(1) نظم الدرر: 8/ 574. ينظر الكشاف: 2/ 208 وانوار التنزيل: 1/ 417. وهؤلاء نفر من قبائل شتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان يحملهم على الخفاف والنعال والدواب ليغزوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا اجد ما احملكم عليه) لان الشقة بعيدة والرجل يحتاج الى بعيرين بعير يركبه والاخر يحمل ماؤه وزاده فانصرفوا وهم يبكون.

اخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 420 وهو عند البخاري في الجهاد باب تمني لشهادة برقم 1707 ومعالم التنزيل: 2/ 319 والجامع لاحكام القرآن: 8/ 145 وتفسير القرآن العظيم: 4/ 138.

(2) المصدر نفسه: 6/ 134.

(3) المصدر نفسه: 14/ 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت