الصفحة 267 من 302

الفقهاء وسميته (الادراك لفن الاحتباك) [1] . والبقاعي مبتكر هذا الفن وهو عندهُ يؤدي أغراضًا بلاغية والذي دفعني الى القول بهذه النتيجة ما قمت به من موازنة جميع الآيات القرآنية التي ذكرها البقاعي في هذا الفن، موازنًا ومتابعًا في أغلب التفاسير القديمة والحديثة آية آية. ولم أجد من قال بهذا الفن وهذا المصطلح، ولو بشيء قريب منه مما دفعني الى ان أصرح بهذه النتيجة وليس جديدًا على العلماء العرب ان يبتكروا مثل هذه الاساليب فهم أهل لذلك. والبقاعي في تفسيره تفرد عن بقية المفسرين بان جعل تفسيره خاصًا بالمناسبة والوحدة الموضوعية فالجديد فيه انه خصّ علم المناسبة بتفسير مستقل، إذ كان مبثوثًا في ثنايا التفاسير وقد اشار اليه قسم من المفسرين كالرازي والزمخشري ولكن لم يفردوا اليه تفسيرًا مستقلًا.

ولا شك انّ الذي يفسر القرآن بهذه الطريقة وهذه العقلية يستطيع ان يستخرج كنوزًا منه وكان أسلوب الاحتباك احد الكنوز التي ابتكرها البقاعي في تفسيره. ولو قلنا أن هذا الفن سبق به البقاعي والبقاعي قد طوره فهذا أيضًا مما يحسب إليه؛ لان نظرية النظم كانت مبثوثة في كتب الإعجاز وقد تناولها العلماء بالإشارات لكن الذي طورها وجعلها نظرية قائمة بحد ذاتها إلى يومنا هذا هو الجرجاني"رحمه الله"، فهذه من تلك.

والاحتباك فنًا بديعيًا يخرج إلى أغراض بلاغية نصَّ عليها مفسرنا البقاعي منها خروجه إلى التشويق: قال تعالى: {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} {غافر: 9} قال فيها:"فالآية من الاحتباك. ذكر إدخال الجنات أولًا دليلًا على حذف النجاة من النار ثانيًا، ووقاية السيئات ثانيًا دليلًا على التوفيق للصالحات أولًا، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب وهو الجنان ... والتنفير من النيران ... ، فذكر المسبب أولًا وحذف السبب لانّه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة، وذكر السبب ثانيًا في إدخال النار وحذف المسبب" [2] .

وقد يخرج الاحتباك لغرض إثارة العزائم وهز المقابل وتهييجه كما في قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} {غافر: 41} قال

(1) نظم الدرر: 1/ 225 والكتاب لم احصل عليه ولكن ذكره الدكتور عمر عبد السلام تدمري من ضمن كتبه المخطوطة والتي ذكرها في مقالته عن البقاعي مؤرخًا ينظر مجلة تاريخ العرب والعالم السنة العشرون العدد 187 تشرين الأول 2000 بيروت لبنان / 17 - 18.

(2) المصدر نفسه: 17/ 16 - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت