اعتقادهم ما داموا يعتقدون أنَّ أصنامهم آلهة فاعلةً، فالغي بقوله هذا معنى الفاعلية وحمل قوله الأخباري معنى الشرط أي إذا كنتم تعبدون هذه الآلهة وتعتقدون بها فهي قادرة على تحطيم بعضها. قال متهكمًا بهم وملزمًا بالحجة: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}
غَيَرةً من أن يعبد معهُ من هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة ... وكذا التنكير في قوله تعالى: {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [1] . وهذا مع كونه تهكمًا بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم [2] .
وذهب الزمخشري الى حمل الأخبار على معنى التعريض لالزام الحجة وتبكيتهم [3] . وقد أشار القرطبي الى معنى الكذب الذي اعتمد عليه سيدنا ابراهيم - عليه السلام - لافحام محاوريه فقال:"أن قول إبراهيم فيما اخبر عنه - عليه السلام - كان من المعاريض" [4] وذهب بن جزي الى لفظ التبكيت وإقامة الحجة [5] .
وأشار إلى نحو من هذا ابن قتيبة وعقد له بابًا سماهُ"التلطف في الكلام والجواب وحسن التعريض" [6] . وعرّفه في موضع آخر فقال:"ومن هذا الباب التعريض والعرب تستعمله في كلامها كثيرًا فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف وأحسن من الكشف والتصريح، ويعيبون الرجل إذا كان يكاشف في كل شيء، ويقولون"ولا يحسن التعريض إلا ثلبًا"وقد جعله الله في خطبة النساء في عدتهن جائزًا: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} {البقرة: 235} ولم يجز التصريح" [7] .
لقد ناقش المفسرون الخبر في تفسير الآية السابقة عن حديث سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وكيفية توافق آراء المفسرين في بيان عمق سبرهم لمعاني الخبر في القرآن الكريم وأيضاح الألوان البلاغية التي يكشف عنها سياق الآيات فالجميع اتفقوا
(1) ينظر: نظم الدرر: 12/ 440 - 441.
(2) المصدر نفسه: 12/ 440.
(3) ينظر: الكشاف: 2/ 577، والبحر المحيط: 6/ 324 - 325.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 11/ 209.
(5) ينظر: التسهيل: 3/ 28.
(6) ينظر: عيون الأخبار: 1/ 595.
(7) تأويل مشكل القرآن: 204.