ومفسرنا واحد منهم على الخروج لمقتضى بلاغي واحد وهو التهكم والتبكيت والإنكار.
ومن الخبر الذي خرج إلى معنى التبكيت والإنكار عند البقاعي في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} {الدخان: 49} . وقد نزلت الآية مخاطبة لأبي جهل وتبكيتًا وإنكارًا له في زعمه أنه من أشرف الناس وأنَّ العذاب لن ينالهُ. قال البقاعي:"ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا بل وصل الى غاية الهوان دل عليه بالتهكم والإنكار ... فقال ردًا على تكذيبهم ... {إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} [1] {الدخان: 50} ."
وذهب الزمخشري في الآية على سبيل الهزء والتهكم [2] . وقد أورد القرطبي القصة:"وقال عكرمة: التقى النبي وأبو جهل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - [إن الله أمرني أن أقول لك {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} {القيامة: 34} ] فقال:"بأي شيء تهددني! والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه"، فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت الآية" [3] . أي يقول لهُ الملك ذق إنك أنت العزيز الكريم وقيل هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء [4] .
فالخبر في الآية الكريمة خبر طلبي تأكد بأداتين (إنك) وضمير الفصل (أنت) وغرضه التوبيخ والاستهزاء.
إن التفسير السابق للآية عند اغلب المفسرين جاء بأساليب مختلفة لكنها ترمي الى الغرض البلاغي نفسه فعلى حين نرى البقاعي يصرح بالتوبيخ والاستهزاء والتهكم وكذلك الزمخشري نجد القرطبي يصرَّح بالاستهزاء والتوبيخ والإهانة والاستخفاف والتنقيص وهذه الألفاظ البلاغية كلها ترمي إلى غرض بلاغي واحد هو الإنكار. وأمثلته كثيرة [5] . فالخبر قد يخرج إلى الإنكار كما رأينا ولكنه في مواضع قرآنية أخرى قصد به إظهار التحسر والاستغفار.
(1) نظم الدرر: 18/ 46.
(2) ينظر: الكشاف: 3/ 507. ينظر: أنوار التنزيل: 2/ 384، والتسهيل: 4/ 37، والبحر المحيط: 8/ 40.
(3) أسباب النزول: الواحدي: 696.
(4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 9/ 77 - 78.
(5) ينظر: على سبيل التمثيل: 5/ 464 و7/ 454، 455، و8/ 30، و10/ 403، و12/ 240، و18/ 29، و20/ 324، و 21/ 333.