2.الخبر لإظهار التحسر والاستغفار:
ورد الخبر في القرآن الكريم على سبيل إظهار التحسر والندم في آيات كثيرة ومن ذلك قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} {يوسف: 53} ، فالإخبار هنا من النوع الإنكاري وغرضه فائدة الخبر لأن امرأة العزيز أخبرت نساء قومها واعترفت بمراودتها سيدنا يوسف - عليه السلام - أول مرة مع إظهار الحسرة والندامة لأنَّ النفس أمرتها بالسوء وهذا ما صرح به البقاعي إذ قال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} أي تبرئة عظيمة عن مطلق الزلل ... وعلل عدم التبرئة بقوله مؤكدًا لما لأكثر الناس من الإنكار ... بالسوء أي هذا الجنس دائما لطبعها" [1] ."
والمتأمل في كلام البقاعي يلاحظ أنه لم يذكر الغرض البلاغي من هذه الأخبار وإنما اكتفى بذكر نوع النفس بل تجاوز تفسير تتمة الآية وتتمة الآية هي التي توضح الغرض البلاغي وتؤكده في قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، ثم علل ذلك بقوله:"مؤكدا دفعًا لظن من يظن أنه لا توبة لهُ ... غفور رحيم أي يبلغ الستر للذنوب وبليغ الإكرام لمن يريد وهو لإظهار الاستغفار والندم" [2] .
وذهب الزمخشري إلى أن الإخبار في الآية وحملها على معنى الاستغفار. وهو الذي عَوَّل عليه أبو حيان في تفسيره [3] . إن الخبر في قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} اخرج الى معنى الإقرار بالذنب والاستغفار؛ لأنَّ تتمة الآية تدل على ذلك ولأن تأكيد الخبر بأداتي توكيد يزيد الاعتراف وضوحًا وينفي الإنكار لذلك أكدت إسنادها الفعل إلى النفس الأمارة على سبيل الاستغفار والتحسر. وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام، من موصول أو مبهم أو معرفة، وكذا تأكيد الإسناد على الجملة، كقولهم: زيد قائم، وإنَّ زيدًا قائم، وإن زيدًا لقائم متغايرة كلها في الدلالة، وإنْ استوت من طريق الإعراب، فإنَّ الأول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن، والثاني المؤكد بـ (إنَّ) يفيد المتردد، والثالث يفيد المنكِر، فهي مختلفة" [4] ."
وإذا ما عدنا إلى كلام المفسرين نجد أن البقاعي قد تفرد بذكر الغرض البلاغي متابعا الزمخشري وأبي حيان في تفسيرهما.
ومنه نحو قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} {آل عمران: 36} قال البقاعي:"ولما أخبر بما اقتضى مضي عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: فلما وضعتها قالت، أي تحسرا ذاكرة وصف الإحسان استمطارا للامتنان ... ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد التحقق كونها أنثى والتحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس ..." [5] .
وذهب القرطبي ناقلًا قول ابن عباس في تفسيره للآية بالقول:"فالسيدة العذراء كانت قد نذرت ما في رحمها لعبادة الله وكان العرب ينذرون الذكور، فلما وضعتها أنثى تحسرت وتألمت" [6] .
واعتمادا على ما سبق بين كلام البقاعي خروج الآية الى المعنى البلاغي وهو التحسر. فالمقام أصل المقال لأنَّ لكل مقام مقال. والخبر يتحدد غرضه في سياق الخبر المقرر له.
ومن الآيات القرآنية التي جاءت على أسلوب الاخبار وخرجت إلى معنى الاستغفار قوله تعالى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} {الأعراف: 23} فقوله {ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} اعتراف منهما بالخطأ وهو إخبار جاء بصيغة الماضي لتأكيد وقوع الخطيئة بعد إنذارهما ونهيهما. قال البقاعي: {قَالا رَبَّنَا} نداء مضاف. والأصل يا ربنا. إن في حذف (يا) معنى التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا"صلى الله عليهما" [7] . وأكد البقاعي
(1) نظم الدرر: 10/ 129، ومصاعد النظر: 2/ 271.
(2) المصدر نفسه: 10/ 129.
(3) ينظر: الكشاف: 2/ 481، والبحر المحيط: 5/ 317.
(4) مقدمة ابن خلدون: 551.
(5) نظم الدرر: 2/ 352. وينظر: الكشاف: 1/ 425.
(6) الجامع لأحكام القرآن: 4/ 63. وينظر: تنوير المقباس: 1/ 105، والتسهيل: 1/ 105، والبحر المحيط: 2/ 438.
(7) نظم الدرر: 7/ 375 ومصاعد النظر: 1/ 618.