بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا {مريم: 4 - 5} فالجمل الخمسة الأولى جمل خبرية في أصل وضعها، والنبي زكريا - صلى الله عليه وسلم - في الآيات السابقة لا يريد أن يقرر واقعا يفيد به ربه معرفة ذلك الواقع فالغرض لازم الفائدة لأنَّ الله لا يخفى عليه شيء وهو العليم الحكيم. فسيدنا زكريا إنما يريد أن يظهر ضعفه وخوفه ملتمسا من ربّه مخرجا من الأمرين: الضعف، والخوف.
وهذا المخرج المأمول ينشئه قصده الذي حول المعنى الخبري الظاهر الى المعنى الإنشائي الدعائي العميق.
والقرينة: حالية، فالله يعرف كلَّ شيء، وزكريا مثبت من ذلك، وهذا ما يمنع إرادة المعنى الأصلي، أي إرادة الإخبار التقريري من النبي لربه وبهذا الامتناع يتحول الخبر إنشاءً، على سبيل المجاز المرسل المركب ومؤيَّد هذا التحول الجملة الأخيرة.
فقد بلغ تحوّل الخبر إنشاءً، وصارت العبارة إنشاءً صريحًا بالأمر [1] ، عند قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} أي فتسبب عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي الإجابة، وخوفي وسوء خلافة أقاربي ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي، وبلوغي من الكبر حدًا بي لا حراك بي معه أني أقول لك يا قادرًا على كل شيء [2] .
وقد ذكر المفسرون معنى الضعف بأساليب ودلالات مختلفة حينما فسروا الآية السابقة عن سيدنا زكريا، وذهب الزمخشري الى معنى الضعف"خفت صوته لضعفه وهرمه"وتابعه البيضاوي [3] . وذهب القرطبي الى معنى إظهار الخضوع بدلًا من الضعف فقال:"يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نِعم الله عليه وما يليق بالخضوع لأنَّ قوله تعالى: {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} إظهار للخضوع" [4] .
(1) ينظر: صناعة الكتابة: 218 - 219، ونظم الدرر: 12/ 168.
(2) نظم الدرر: 12/ 169.
(3) الكشاف: 2/ 502، وأنوار التنزيل: 2/ 26.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 13/ 2. ينظر: البحر المحيط: 6/ 173.