لقد أقر القرطبي بالخضوع وهو يقصد الضعف لأنَّ معنى الآية لا يمكن أن يحمل إلا على إظهار الضعف وهذا ما ذهب إليه البقاعي عندما قال: {فَهَبْ لِي} أي فتسبب عن شيخوختي وضعفي [1] . أما إذا قال أحدهم أنّ الخضوع يختلف عن الضعف في معنى الآية قلنا لم يكن سيدنا زكريا بعيدا عن الخضوع في شبابه وخاضعا في كبره لذلك لا شك في أنَّ الخضوع مقصود به الضعف وهذا من دلالة هذا.
ومما يلفت الانتباه في تفسير البقاعي للآية أنه فسرها بالغرض البلاغي الذي خرج إليه الخبر بلفظ واحد فقط وهذا ما يدل على عمق فهمه للمعاني البلاغية في القرآن الكريم وسبره للأساليب العربية عندما فسر {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} بمعنى (ضعف) .
وقد تتقارب أغراض الخبر في المعاني فمن الخبر ما يأتي بمعنى الاسترحام والاستعطاف وهو غرض قريب من حيث المعنى من الخبر لإظهار الضعف.
4.الخبر لإظهار الاسترحام والاستعطاف:
يشعر الإنسان أحيانا بالضيق وبضغط الحياة ومصائبها فَيُخبر عن آلامه وعذابه ويكون مقصده طلب الرحمة والعطف ومن الآيات القرآنية التي حملت هذا المعنى قوله تعالى على لسان سيدنا موسى - عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} {القصص: 24} .
وإذا ما رجعنا إلى تفسير البقاعي نجد تفسيره للآية على هذا المعنى فيقول:"وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ولما كان حاله في عظيم صبره حال من لا يطلب، أكد سؤاله إعلاما بشديد تشويقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة والاسترحام، فقال: {وإِنِّي} وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون إلى ... وعبر بالماضي تعميمًا لحالة الافتقار، وتحقيقا لإنجاز الوعد بالرزق" [2] .
(1) نظم الدرر: 12/ 169.
(2) نظم الدرر: 14/ 266 ومصاعد النظر: 2/ 426.