الصفحة 38 من 302

وكأن لم يذق طعاما سبعة أيامٍ، وقد لصق بطنه بظهره، فعرض بالدعاء ولم يصرّح بالسؤال هكذا روى جميع المفسرين [1] ، أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله.

فالخبر يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} {البقرة: 180} وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} {العاديات: 8} ويكون بمعنى القوة كما في قوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} {الدخان: 37} ويكون بمعنى العبادة كما في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} {الأنبياء: 73} . قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واصفَّرلونهمن أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله. ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه. وفي هذا إشعار وعبرة بهوان الدنيا على الله [2] .

فسؤال موسى الرحمة والعطف جاء في أسلوب خبري وهذا ما رأيناه في كلام البقاعي لأنه أورد تفسير جمهور المفسرين بأنه يطلب ما يأكله وأكد تفسيره للآية بذكر معاني الخبر في القرآن الكريم معتمدا على قدرته اللغوية في فهمه للدلالة وفقه اللغة فمرة يأتي الخبر بمعنى الطعام وطورا بمعنى المال، وتارة بمعنى القوة وأخرى بمعنى العبادة، وكل هذه المعاني إذا ما تضمنتها الآية تخرج إلى معنى الاسترحام والاستعطاف ولكنَّ سيدنا موسى كان يطلب الرحمة لقلة الطعام وقد أيد البقاعي كلامه بنقله من تفسير ابن عباس المتضمن بلوغ موسى من الجوع مبلغًا جعله يطلب الرحمة والاستعطاف من الله - عز وجل -.

5.الخبر لتحريك الهمة إلى ما يلزم تحصيله:

أتى الخبر حاملًا تحريك الهمة والتعريض في غير ما موضع من القرآن الكريم، وهذا الأسلوب معروف عند العرب فمما جاء على لسان العرب (نفس عصام سودت عصامًا) [3] . فهذا المثل العربي المشهور ورد بأسلوب الخبر لتحريك الهمة وحفزها لكي يقتدي الناس بعصام الذي ساد بجهده ودأبه ومن ذلك قوله تعالى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: من الآية26} فالأسلوب الخبري في الآية الكريمة غرضه حفز الهمة وتحريض النفوس لفعل الإحسان لأنَّ فاعل الإحسان سيجزي بالإحسان وبزيادة هي تكريم من الله على فعل الإيمان وقد تقدم الجار والمجرور والفعل ثم جاء المبتدأ والاسم المعطوف للتشويق إلى نتيجة الإحسان فالتقديم والتأخير في الجملة القرآنية زاد أثرًا في تحريك الهمة وتحريضها للزيادة في الإيمان والعبادة لنيل الحسنى والزيادة. لم يذكر المفسرون في تفسيرهم للآية المذكورة آنفًا الغرض البلاغي في الآية من تحريك الهمم إلى الزيادة في الإيمان وإنما اكتفوا بتفسيرهم الحسنى بالجنة، والزيادة برؤية وجه الله - عز وجل - بعد كشف الحجاب عنهم [4] .

وتفرد البقاعي بذكر الغرض البلاغي بقوله:"والخبر فيها لتنهيض الهمة" [5] .

ومن الإخبار المقصود به تحريك الهمم إلى ما يلزم تحصيله قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} {النساء: 76} .

والمضارع {يُقَاتِلُونَ} إخبار أريد بهِ الحض وتحريك الهمة نحو الجهاد في سبيل الله"ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار عن الفريقين فقال مؤكدا للترغيب في الجهاد ... وتنهيضًا لهم" [6]

فالبقاعي ساق لنا الغرض البلاغي الذي خرج اليه الخبر، ولم يذكر الزمخشري الغرض البلاغي للآية ولم يقف على تفسيرها [7] . واكتفى القرطبي بتفسير الآية من غير أن يذكر الغرض البلاغي فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي في طاعته [8] .

(1) ينظر: الكشاف: 3/ 171، وتنوير المقباس: 2/ 186، والبحر المحيط: 7/ 114، وانوار التنزيل: 2/ 190، والجلالين: 8/ 3، وروح المعاني: 6/ 343.

(2) ينظر: تفسير ابن عباس: 480، ونظم الدرر: 14/ 267.

(3) جمهرة الأمثال: 2/ 312، ولسان العرب مادة (عصم) .

(4) ينظر الكشاف: 2/ 233 - 234، والجامع لاحكام القرآن: 8/ 242 - 243، ومدراك التنزيل: 2/ 160، والبحر المحيط: 5/ 147، وانوار التنزيل: 1/ 433، وتنوير الاذهان: 2/ 140، وصفوة البيان: 275.

(5) نظم الدرر: 9/ 104، ومصاعد النظر: 2/ 138.

(6) المصدر نفسه: 5/ 329، ومصاعد النظر: 1/ 588.

(7) ينظر الكشاف: 1/ 542 - 543. ينظر: أنوار التنزيل: 1/ 225.

(8) الجامع لأحكام القرآن: 5/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت