وقد فصل أبو حيان في تفسيره للآية معتمدًا على البناء اللغوي في إخراج الخبر مخرج التحريض وهو بناء لغوي متماسك بدايته تؤدي الى نهايته أو نتيجته، فالغلبة أولًا وأخرًا لله ولمن يقاتل في سبيله، ووضح هذا المعنى من خلال التضاد والتقابل بين القتال في سبيل الله والقتال في سبيل الطاغوت ثم أكد تفسيره للآية لهذا المعنى بإبراز (كان) التي وضحت أنَّ كيد الشيطان لم يزل ضعيفًا، وقد اصطلح أبو حيان في كلامه على غرض الحث والحض في قوله تعالى: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [1] .
إنَّ الموازنة اليسيرة بين تفسير كل من البقاعي والزمخشري والقرطبي وأبي حيان في تفسيرهم للآية تظهر لنا أن أبا حيان والبقاعي مهتمان في بلاغة الأساليب، أما القرطبي فبحث في المعنى الديني المباشر وهو طاعة الله ولم يصطلح على الترغيب او الحث.
ومن الخبر الذي يحمل مقتضى تحريك الهمم والحض قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا} {النساء: 69} فقوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} إخبار فيه تحريك الهمم ليكون المسلم ممن يرافق ويصاحب الرفقاء الأربعة المذكورين في الآية. سمّى البقاعي الأسلوب في الآية الكريمة إخبارًا وأخرجه بلاغيًا ودلاليًا لغرض استدعاء الطاعة، فقال: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة، والرفق يقع على الواحد والجماعة كالخليط، وهو مفرد بين الجنس، ومعنى الكلام اخبار واستدعاء للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء" [2] ."
وقد ذهب الزمخشري الى معنى التعجب [3] . ولم يذكر القرطبي الغرض البلاغي في الآية وإنما اكتفى بتفسير الرفق بمعنى الصاحب [4] . أما أبو حيان فقد ذهب به منحى النحاة من أنه من أفعال المدح والذم، وتوسع في ذكر آراء النحاة
(1) ينظر: البحر المحيط: 3/ 296.
(2) نظم الدرر: 5/ 312 - 322، ومصاعد النظر: 1/ 602.
(3) ينظر: الكشاف: 1/ 540.
(4) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 5/ 535.