ومن تقديم خبر كان على اسمها قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} {الروم: 47} وقد توسط خبر كان {حَقًّا} بينها وبين اسمها. إذ قال البقاعي:"ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به، قدّمه تعجيلا للسرور وتطيبًا للنفوس فقال: {وَكَانَ} أي على سبيل الثبات والدوام" [1] وكذلك قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} {يونس: 2} لأنَّ قوله {أَنْ أَوْحَيْنَا} إنما هو وحينا قال البقاعي:" {أَكَانَ} أي بوجه من الوجوه للناس عجبا أي الذي فيهم التحريك إلى المعاني، والعجب: تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة، ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم كان فقال: بعدما حصل لهم شوق إليه: {أَنْ أَوْحَيْنَا} " [2] .
وورد في المقتضب:"وكذلك لو قلت: غلامه كان زيد ضرب لكان جيّدا، لأنَّ (كان) بمنزلة ضرب، ألا ترى أنَّك تقول ضاربا أخاك ضربتُ" [3]
ومن الآيات لتي تقدم فيها معمول خبر كان عليها قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} {التوبة: 65} فإنَّ تقديم {أَبِاللَّهِ} وهو معمول خبر (كان) عليها يدل على جواز تقديمه عليها [4] . قال البقاعي:" {قُلْ} أي لهم تقريرا على استهزائهم متوعدا لهم معرضا عمّا اعتذروا إعلاما بأنه غير أهلٍ لأن يسمع، جاعلا لهم كأنهم معترفون بالاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته تكذيبا لهم" [5] .
وقد أفاد هذا التقديم بلاغيا شدة استنكار استهزاء الكفار، فقدّم لأهميته ولبيان التشويق. واستدل البقاعي من الآية الكريمة على جواز تقديم خبر كان عليها مع ذكر الغرض البلاغي وهذا ما لم نجده عند القرطبي وابن جزي والبيضاوي [6] .
ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} {سبا: 40} فـ {إِيَّاكُمْ} مفعول يعبدون، واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان
(1) نظم الدرر: 15/ 118.
(2) المصدر نفسه: 9/ 66.
(3) المقتضب: 4/ 102.
(4) ينظر: التبيان: 2/ 10، والبحر المحيط: 5/ 27، والجمل: 2/ 296.
(5) نظم الدرر 8/ 516 والكشاف 2/ 200.
(6) الجامع لاحكام القرآن: 9/ 218، والتسهيل: 2/ 378، وانوار التنزيل: 1/ 411.