الصفحة 86 من 302

لمشاركة في هذه الصفة" [1] . وهذا خطاب لنمرود الذي اعتقد انه هو المحيي المميت من دون الله."

حتى أننا نجد البقاعي يفسر الآية ثم يوضح مدلول تعريف قصر القلب وذلك بتضمينه في تفسيره وهذا يوضح لنا فهمه للمصطلح البلاغي وكيفية استعماله ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ الا اللَّهُ} {صّ: 65} اذ قال في تفسيرها:"فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصرًا للصفة في قوله: {وَمَا} " [2] .

3.قصر التعيين:

وفيه يكون المخاطب مترددًا في الحكم بين عليه وغيره أي من تساوى الأمران عنده، أي اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة [3] . كما في المثال السابق (ما علي الا شاعر) أي كان المخاطب مترددا لا يدري أي الصفتين هي صفة علي، كان هذا القصر قصر تعيين وقد توسع القزويني في قصر التعيين وعدّه الأعم لأنَّ اعتقاد كون الشيء موصوفا بأحد أمرين معنيين على الإطلاق لا يقتضي جواز اتصافه بهما معا ولا امتناعه وبهذا علم أن كل ما يصلح أن يكون مثالا لقصر الإفراد أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالا لقصر التعيين من غير عكس [4] . وقد أهمل السكاكي القصر الحقيقي وادخل قصر التعيين في قصر الأفراد [5] .

وللقصر طرق متعددة واشهرها أربع كما أوضحناها في بداية المبحث اشهرها أربع.

أولًا: النفي والاستثناء:

وهي أوسع طرق القصر وأكثرها شهرة ودورانًا في كتاب الله تعالى، والنفي والإثبات أساسا أسلوب القصر ومن خلال هذا الأسلوب تظهر لنا كل المعاني والصور المتصلة بأسلوب القصر وقيمته البلاغية. ولذلك كثرت شواهده في هذا الأسلوب من تفسيره وعرض البقاعي في الجملة للقصر. ومنه قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ الا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} {المائدة: 117} قال البقاعي:"ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي وَدَلّ عليه، اثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب اليه من دعوى الإلهية منفيًا مرتين ... وهذا الحصر يصح ان يكون للقلب ولما فهم - صلى الله عليه وسلم - من هذا السؤال اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفيًا وإثباتًا" [6] .

لان ليس المعنى أني لم أزد على ما أمرتني به شيئًا إذ ليس الكلام في انه زاد شيئًا على ذلك او نقص منه ولكن المعنى أني لم اترك ما أمرتني به أن أقوله لهم بدليل قوله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} {المائدة: 116} .

فالبقاعي يحدد موقع المقصور عليه في طريق النفي والاستثناء وهو قصر المفعول على الفاعل في الآية السابقة.

ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ الا نَذِيرٌ} ... {فاطر: 22 - 32} . فانه - صلى الله عليه وسلم - كان لشدة حرصه على هداية الناس يكرر دعوته للممتنعين على الإيمان ولا يرجع عنها فكأنه في معرض من ظن انه يملك مع صفة الانذار إيجاد الشيء فيما يمتنع قبوله إياه [7] . قال البقاعي:"ولما كان هذا خاصة الألهة أشار الى نفيه عنه مقتصرًا على وصف النذارة ... فقال مؤكدًا للرد على ما يظن أن النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بأقداره" [8] .

ومنه قوله تعالى: ... {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ الا بَشَرٌ مِثْلُنَا} {ابراهيم: 10} . جاء الكلام هنا بأن وإلا دون إنما قال البقاعي:"فلما بين لهم الاصل بدليله وفرع ما لا ريب فيه قصر نفعه عليهم، علموا انه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فاعرضوا عنه الى ان قالوا عنادًا {إِنْ} أي ما {أَنْتُمْ} ايها الرسل {الا بَشَرٌ} ... وأكدوا ما أرادوا من نفي الاختصاص فقالوا مثلنا" [9] . وهذا مما لم نجده عند الزمخشري إذ ذهب بالقول:"ما {أَنْتُمْ الا بَشَرٌ مِثْلُنَا} لا فضل بيننا وبينكم .." [10] . ولم يصلح على القصر وكذلك

(1) نظم الدرر: 4/ 50.

(2) المصدر نفسه: 16/ 413.

(3) ينظر: الإيضاح: 70 - 71.

(4) المصدر نفسه: 71 - 72.

(5) ينظر: مفتاح العلوم: 134.

(6) نظم الدرر: 6/ 365 - 366.

(7) ينظر: الإيضاح: 73 - 74.

(8) نظم الدرر: 16/ 40. وينظر: الكشاف: 3/ 307، وأنوار التنزيل: 2/ 271.

(9) المصدر نفسه: 10/ 393. ينظر: نهاية الإيجاز: 182.

(10) الكشاف: 2/ 369 - 370.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت