ومن هنا ذهب البقاعي في (إنما) بالفتح الى أنّها تفيد الحصر كانما قد اجتمعتا في قوله تعالى: ... {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {الكهف: 110} قال البقاعي:"ولما كان المراد اثبات الوحدانية فقال: {إِلَهٌ وَاحِدٌ ... } فالأول من قصر الصفة على الموصوف أي الحكم على الشي، أي الموحى به إليَّ مقصورٌ على الوحدانية لا يتعداها الى الشِركة، والثاني من قصر الموصوف على الصفة، أي الاله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها الى التعدد، والمخاطب بهما من يعتقد الشركة، فهو قصر قلب" [1] .
وهذا قول أبو حيان في تفسيره للآية الكريمة قال:"فانما لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على الحكم نحو انما زيد قائم ... وأنما يقوم زيد، وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ} ... لان إنما يوحى مع فاعله بمنزلة انما يقوم زيد و {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ} بمنزلة إنما زيد قائم ... وفائدة اجتماعهما للدلالة على أنَّ الوحي إلى الرسول ... - صلى الله عليه وسلم - مقصور على استئثار الله بالوحدانية" [2] . وكلام البقاعي في تفصيله اكثر توفيقًا ووضوحًا من كلام ابي حيان. إذ فصّلَ القول في نوعي القصر والبقاعي في توجيهه للآية أفادت (إن) للتأكيد (وما) كذلك. فاجتمع تأكيدان أفادا الحصر وهذا ما ذهب اليه السكاكي بقوله:"هو أن (إنّ) لما كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية ... ضاعف تأكيدهُ فناسب أن يضمن معنى القصر، لأنَّ قصر الصفة على الموصوف وبالعكس ليس إلا تأكيدًا للحكم على تأكيد" [3] . ومما يلفت النظر أن الزمخشري لم يقف على الآية ولم يفصل فيها [4] .
وهذا هو الرأي الراجح - أي باعتبار التوكيد بـ (انما) أقوى من التأكيد بأن وحدها ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ} {هود: 33} . قال البقاعي:"بل قصر"
(1) نظم الدرر: 12/ 510 - 511.
(2) البحر المحيط: 4/ 60 - 61.
(3) مفتاح العلوم: 140.
(4) ينظر: الكشاف: 2/ 501.