اما (لكن) العاطفة فتكون مثقلة ومخففة وذهب الرماني مفرقًا بين المخففة والمثقلة إذ قال:"ان المخففة غير عاملة، والمثقلة عاملة، ومعناها في كلا الحالتين الاستدراك والتوكيد" [1] . وتعطف ما بعدها على ما قبلها، وحكم المقصور عليه يكون بعدها ولا يعطف بـ (لكن) إلا بشروط ثلاثة وهي: أن يكون المعطوف مفردًا لا جملة والثاني: ألا تكون مسبوقة بالواو مباشرة والثالث: ان تكون مسبوقة بنفي أو نهي [2] . كما في قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الابْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} {الحج: 46} .
وذكر الفراء (ت207هـ) أن قوله: {الَّتِي فِي الصُّدُورِ} من التوكيد الذي تريدهُ العرب في الكلام [3] . وقد فسرها البقاعي بالقول:"ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار، نفى العمى أصلًا عن الأبصار لعدم ضرره مع إنارة البصائر وخصه بالبصائر لوجود الضرر بهِ ... {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ} وأكد المعنى لوجود الضرر بعماها وان كان البصر موجودًا فاحتج في تصوير عماها الى زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى إنما هو للبصر" [4] .
رابعًا: القصر بتقديم ما حقه التأخير:
وهو من مباحث اللغة الجليلة، وهو لون بلاغي مهم تحدث به كبار العربية نحويون وبلاغيون بدءًا من سيبويه ثم تحدث السكاكي وافصح عنه وللأغراض التي يخرج إليها كالعناية والاهتمام [5] . ويأتي الجرجاني ليضع بابا خاصًا بهِ وقال عنه كثير الفوائد، جم المحاسن ... بعيد الغاية، وهذا كله ناتج عن تحوّل اللفظ من مكان الى مكان [6] .
وحكم المقصور عليه في التقديم والتأخير فهو المتقَدّمَ ومن صوره في تفسير البقاعي هو.
(1) معاني الحروف: 133.
(2) ينظر: النحو الوافي: 3/ 617.
(3) ينظر: معاني القران: 2/ 228.
(4) نظم الدرر: 13/ 64. وينظر: 12/ 200، والتسهيل: 3/ 43.
(5) ينظر: مفتاح العلوم: 133.
(6) ينظر: دلائل الإعجاز: 143.