تقديم الخبر:
"واعلم أنه إذا كان الكلام بـ (ما، وإلا) كان الذي ذكرته من أنَّ الاختصاص يكون في الخبر إن لم تقَدّمَه، وفي المبتدأ إن قَدّمَت الخبر أوضح وأبين" [1] . ويعلل البقاعي صورة تقديم الخبر على المبتدأ للاختصاص كما في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} {الكافرون: 6} قال:"... وبدأ النفي في الجمل السابقة المنسوبة إليه - صلى الله عليه وسلم - إيذانًا بالاهتمام ببراءته منهم، أنتج قطعًا قوله مقَدّمًَا لما يتعلق بهم على وجه اختصاصهم تأكيدًا لما صرح به ما مضى من براءته منهم" [2] . وقد صرح علماء البلاغة بأن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص [3] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ الحشر: 2} . قال البقاعي:"... قالوا وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياها، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) واسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم انهم في عز ومنعة لا مطمع معها في معازّتهم، ودلَّ على ضعف عقولهم" [4] .
فالبقاعي يوضح صورة تقديم الخبر على المبتدأ والتقدير وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم لان في تقديم الخبر الذي هو {مَانِعَتُهُمْ} على المبتدأ {حُصُونُهُمْ} دليل على فرط اعتقادهم في حصانتها. وهذا التحليل للآية دليل واضح على أنَّ أسلوب القصر في القران الكريم يحمل قوة واهتمامًا تؤثر في أُذن المتلقي. وهذا مما لم نجدهُ عند الواحدي والزمخشري وابن حزي والبيضاوي [5] .
ومنه قوله تعالى: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} {مريم: 46} . قال البقاعي:"... {أَرَاغِبٌ} قَدّمَ الخبر لشدة عنايته والتعجيب من تلك الرغبة والانكار لها إشارة الى أنه لا يفعلها أحد، ثم صرح له بالمواجهة { ... أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي} بإضافتها الى نفسه فقط إشارة الى مبالغته في تعظيمها" [6] .
(1) دلائل الاعجاز: 338.
(2) نظم الدرر: 22/ 308.
(3) ينظر: مفتاح العلوم: 140، والإتقان: 3/ 155.
(4) نظم الدرر: 19/ 408 - 409.
(5) ينظر: تفسير الوسيط: 4/ 220، والكشاف: 4/ 293، والتسهيل: 4/ 220، وأنوار التنزيل: 2/ 627.
(6) نظم الدرر: 12/ 206 - 207. وينظر: الكشاف: 2/ 511، وأنوار التنزيل: 2/ 33.