فالبقاعي صرح بتقديم الخبر على المبتدأ ولم يقل (أنت راغب) ليدل بذلك على إفراط تعجبه والمبالغة في الاهتمام بأمرها والإنكار لها وواصفًا في نفسه أن مثل آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها ولا يصح الاعتراض عن عبادتها. وهذا مما لم نجده عند الواحدي وابن جزي [1] . اذ نجد البقاعي يتابع الزمخشري والبيضاوي في تفسيره للآية مضيفًا غرض التعظيم والعناية.
ومن صور التقديم الاخرى التي تناولها البقاعي تقديم المفعول به على فاعله في أسلوب القصر يفيد الاختصاص كما في قوله تعالى: ... {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} {الزمر: 64} قال البقاعي:"ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار ... قَدّمَ الغير المفعول لأعبد المفعول على تقدير (أن) لتأمر فقال: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} الملك الأعظم الذي لا يقر على فسادٍ أصلًا. ولما كان تقديم الانكار على فعلهم لهم ارجع، وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع ... ولما كان التقديم يدل على الاختصاص بين أنه تخصيص من حيث أن الإله غني عن كل شي ..." [2] .
وهذه من انفرادات البقاعي إذ لم أجد عند الواحدي والزمخشري والقرطبي وابن جزي والبيضاوي وغيرهم [3] . مما اصلح عليه البقاعي في تفسيره واغلبهم فسرها الى القول {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} اعبد بأمركم ولم يصطلحوا على تقديم المفعول به على فاعله. واكتفوا بقراءة {تَأْمُرُونِّي} بنون مشددة [4] . وقد توسع البقاعي في تفسيره للآية اذ
(1) نظم الدرر: 16/ 545 - 546.
(2) الكشاف: 3/ 13.
(3) ينظر: الوسيط: 3/ 592، والكشاف: 3/ 407، والجامع لاحكام القران: 6/ 108، والتسهيل: 3/ 198 - 199، ومعالم التنزيل: 4/ 86، والبحر المحيط: 7/ 438، وتفسير القران العظيم: 4/ 61، وانوار التنزيل: 2/ 330.
(4) اختلف في {تَأْمُرُونِّي} فنافع وابو جعفر بنون خفيفة على حذف احدى النونين والمختار مذهب سيبويه انها نون الرفع، وقيل نون الوقاية، وكلاهما فتح الياء وقرأ ابن عامر عن ابي ذكوان بنونين خفيفتين مفتوحة فمكسورة على الاصل وهو الذي عليه اكثر الرواة وقرأ نافع بنون واحدة مخففة وهي قراءة الاخفش. ينظر: اتحاف فضلاء البشر: 376 والنشر: 2/ 363 وتحبير التيسير: 173 والبحر المحيط: 7/ 439.