الصفحة 104 من 128

ذلك في قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} ؛ لأن الله عزَّ ذِكرهُ خاطب العربَ بلغتها وما يتعارفونه بينهم من

الكلام" [1] ."

وقال جماعةٌ من المفسرين: إنَّ الضمير عائد على نبي الله موسى - عليه السلام - وفتاه، يقول الزمخشريُّ:"أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه، مما جُعِلَ إمارةً على الظفر بالطلبة، وقيل نسي يوشع أن يقدمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيءٍ" [2] ، وهو ما رجحه أبو حيانٍ، جاء في البحر المحيط:"والظاهر نسبة النسيان إلى موسى وفتاه" [3] ، وقد ذكر وجهًا آخر، وهو أن تكون الآية على حذف مضافٍ، والتقدير"نسي أحدهما" [4] .

وقول الطبريَّ أولى؛ لأنه جارٍ على ما تكلمت به العربُ، والذي يؤيدُ نسبة النسيان ليوشع (فتى موسى - عليه السلام -) وحده، قوله تعالى: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}

وقال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ - بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ - فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمن: 19 - 22) ، فقد عاد ضميرٌ مثنىً في قوله: (منهما) على (البحرين) ، ولا مشكل، إلا أن اللؤلؤَ والمرجانَ يخرجان من الماء المالح دون العذب، وفي ظاهر هذا تخالفٌ، فقد عاد الضمير المثنى على مفرد.

والقول في هذه الآية من وجوه:

أولًا:

إنَّ هذا التركيب مستعملٌ في لسان العرب، يقول الزمخشريُّ:"فإن قُلتَ: لِمَ قال: (منهما) ، وإنما يخرجان من الملح؟ قُلتُ: لما التقيا وصارا كالشيءِ، جاز أن يُقال: يخرجان منهما، كما يُقالُ: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه، وتقولُ: خرجتُ من البلد، وإنما خرجتَ من محلةٍ من مَحَاِلهِ، بل من دارٍ واحدةٍ من دُورِهِ" [5] ، ويقول القرطبيُّ:"وقال (منهما) وإنما يخرجُ من الملح لا العذب؛ لأنَّ العربَ تجمعُ"

(1) جامع البيان، 15/ 273، وينظر: المصدر نفسه 2/ 468، ومعالم التنزيل، 3/ 171، وزاد المسير، 5/ 165، وأحكام القرآن، الجصاص، 5/ 43، والجامع لأحكام القرآن، 11/ 12 - 13، وتفسير النسفي، 3/ 19.

(2) الكشاف، 2/ 264.

(3) البحر المحيط، 7/ 200، وينظر: روح المعاني، 15/ 314.

(4) المصدر نفسه، 7/ 201، وينظر: روح المعاني، 15/ 314.

(5) الكشاف، 3/ 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت