الصفحة 108 من 128

وقال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (الأنبياء: 78) ، فقد عاد ضميرُ جمع المذكر (هم) على مثنىً (داود وسليمان) (عليهما السلامُ) .

والقولُ في هذه الآية من وجهين:

الأول:

إن الضمير راجعٌ إلى (داودَ وسليمانَ) (عليهما السلامُ) ، والجمعِ الذين حُكم بينهم، قال الطبريُّ:" {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} يقولُ وكنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم فيما أفسدت غنمُ أهلِ الغنمِ من حرثِ أهلِ الحرثِ" [1] ، وقال الزمخشريُّ:"وجمع الضمير؛ لأنَّهُ أرادهما والمُتَحَاكِمِينَ إليهما" [2] .

الثاني:

إنَّ الضمير لـ (داود وسليمان) (عليهما السلامُ) ، على رأي من يقول إن أقل الجمع اثنان، قال الفراءُ:"وهو مثلُ قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَة} يريد أخوين فما زاد، فهذا كقوله: {لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} إذ جَمَعَ أثنين" [3] ، وقد ذكر ابنُ الجوزيِّ هذا الرأيَ في تفسيره. [4]

والأول أولى؛ فالحكمُ يستلزمُ الحاكمَ، وقد ذكره الله تعالى وهما: (داود وسليمان) (عليهما السلامُ) ، ويستلزمُ أيضًا الخصومَ، وأقلهما اثنان، وبهذا لا مخالفة، ولو قصد بـ (داود وسليمان) (عليهما السلامُ) الجمعَ، لقال: (إذ يحكمون) أيضًا، كما قال: {لِحُكْمِهِمْ} .

وقد قرأ"ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وابنُ أبي عبلةَ" [5] : (لحكمهما) بضمير التثنية، وعلى هذه القراءة تتم المطابقةُ.

(1) جامع البيان، 17/ 51.

(2) الكشاف، 2/ 333، وينظر: زاد المسير، 5/ 371، والتبيان في إعراب القرآن، 2/ 135، والجامع لأحكام القرآن، 11/ 307، وتفسير النسفي، 3/ 85، والبحر المحيط، 7/ 455، وتفسير البيضاوي، 4/ 102، وروح المعاني، 17/ 74.

(3) معاني القرآن، الفراء، 2/ 208، والآية من (النساء / 11) ، ويقصد بالضمير (هو) قراءةَ الجمهورِ: (لحكمهم) ، ينظر: المصدر نفسه، 2/ 208، هـ / 7.

(4) ينظر: زاد المسير، 5/ 317، والتبيان في إعراب القرآن، 2/ 135، وروح المعاني، 17/ 74، والتثنية في اللغة العربية، 180.

(5) زاد المسير، 5/ 371، وينظر: معاني القرآن، الفراء، 2/ 208، والكشاف، 2/ 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت