الصفحة 109 من 128

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36) ، فقد أعاد الضمير (هم) من (لهم) و (أمرهم) ، وهو جمعٌ مذكرٌ، على (مؤمن) و (مؤمنة) ، وظاهر ذلك المخالفة.

والسبب في ذلك؛ أن (مؤمن) و (مؤمنةٌ) وقعا في سياق النفي، والنكرة إذا وقعت في سياق النفي عَمَّتْ، فالآية محمولة على المعنى، أي اُريد بها كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، يقول الزمخشريُّ:"فإن قلتَ كان من الضمير أن يُوحد، كما تقول: ما جاءني من رجلٍ ولا امرأةٍ إلا كان من شأنه كذا، قلتُ نعم، ولكنهما وقعا تحت النفي، فعمَّا كلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، فرجع الضميرُ على المعنى لا على اللفظ" [1] .

ويقولُ أبو حيانٍ:"ولما كان قوله: {لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} يعمُّ في سياق النفي؛ جاء الضميرُ مجموعًا على المعنى في قوله: {لَهُمُ} مغلبًا فيه المذكر على المؤنث" [2] ، وعلى هذا لا مُخالفة

وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9) [3] ، فقد قال عزَّ وجلَّ: {اقْتَتَلُوا} ، وعاد الضميرُ على لفظٍ مثنىً {طَائِفَتَانِ} ، ثم قال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، مرتين بإرجاعِ ضمير التثينة إلى لفظ الـ {طَائِفَتَانِ}

والسببُ في ذلك لأن لفظ (الطائفة) يشملُ عددًا من الناسِ، فكيفَ بالطائفتين؟، أي أن معنى الطائفتين جمعٌ؛ فلذلك أعاد ضميرَ جمعٍ عليه، يقولُ الزمخشريُّ:"هو مما حُمل على"

(1) الكشاف، 2/ 539.

(2) البحر المحيط، 8/ 481، وينظر: التبيان في إعراب القرآن، 2/ 193، وتفسير النسفي، 3/ 304، وتفسير البيضاوي، 4/ 375 - 376، وإرشاد العقل السليم، 7/ 104، وروح المعاني 22/ 22.

(3) ورد مثلُ هذا التركيب في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} (الأنعام: 156) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت