وقال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل: 6) ، والمطابقةُ حاصلةٌ أيضًا بين ضمير الفص (هي) واسم (إنَّ) ، (ناشئة الليل) ، وذلك في العدد والجنس والشخص، فكلاهما مفردٌ مؤنثٌ غائبٌ، وكذا الآمرُ في قوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: 39) ، وقد ورد في غيرُ هذه الآيات. [1]
ولمْ يردْ في القرآن الكريم ضمير فصلٍ غائبٍ مثنىً.
ومثال (ضمير الفصل الغائب الجمع المذكر) ، قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة: 5) ، فضمير الفصل (هم) مطابقٌ للمبتدأ (أولئكَ) ، وذلك في العدد والجنس والشخص، فكلاهما جمعٌ مذكرٌ غائبٌ.
وقال تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 82) ، والمطابقةُ حاصلةٌ هنا أيضًا، بين ضمير الفصل (هم) ، والمبتدأ (أولئكَ) ، وذلك في العدد والجنس والشخص، فكلاهما جمعٌ مذكرٌ غائبٌ، وكذا الأمرُ في قوله تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (النور: 50) ، وقد وردت في القرآن الكريم غير هذه الآيات. [2]
مما تقدمَ نستطيعُ القولَ بأنَّ المطابقةَ بين ضمير الفصل وما عاد عليه، قد تمت في مواطنِ وروده كلِّها في القرآن الكريم، وقد تمثلت هذه المطابقةُ في العدد والجنس والشخص.
ثانيًا - المطابقةُ بين ضميرِ الشأنِ ومرجعه:
يتقدمُ الجملةَ في بعض التراكيب ضميرٌ مفردٌ غائبٌ، يُقصدُ به التفخيمُ والتعظيمُ، يسميه النحاةُ: (ضمير الشأن أو القصة) ، وهذه تسمية البصريين له، وأما الكوفيون فيسمونه الضمير المجهول؛ لعدمِ تقدمِ شيءٍ عليه. [3]
يقولُ ابنُ يعيشٍ:"إعلمْ أنَّهم إذا أرادوا ذِكرَ جملةٍ من الجملِ الاسمية أو الفعلية، فقد يُقدمون قبلها ضميرًا يكون كنايةً عن تلك الجملة، وتكون الجملةُ خبرًا عن ذلك الضميرِ وتفسيرًا له، ويوحدون الضميرَ؛ لأنَّهم يريدون الأمرَ والحديثَ؛ لأنَّ كلَّ جملةٍ شأنٌ وحديثٌ، ولا يفعلون ذلك إلا في مواضع التفخيم والتعظيم" [4]
ويقول الرضيُّ:"وهذا الضميرُ كأنَّه راجعٌ في الحقيقة إلى المسئول عنه بسؤالٍ مقدر، تقولُ مثلًا: (هو الأميرُ مقبلٌ) ، كأنَّه سمع ضوضاءً وجلبةً؛ فاستبهم الأمرَ فسأل ما الشأنُ؟ فقيل له: (هو الأميرُ مقبلٌ) ، أي الشأنُ هذا ... ، والقصدُ بهذا الإبهام ثم التفسير: تعظيمُ الأمرِ وتفخيمُ الشأن، فعلى هذا لا بُدَّ أن يكون مضمونُ الجملة المفسَّرة شيئًا عظيمًا يُعتنى به، فلا يُقالُ مثلًا: (هو الذبابُ يطيرُ) " [5] .
وكونَّهُ مفردًا غائبًا دائمًا؛ فإنَّ مظهرَ المطابقةِ في هذا الضميرِ مع الجملة التي بعده يتمثلُ في الجنس فقط، يقول ابنُ يعيشٍ:"وربما أنَّثوا ذلك الضميرَ على إردة القصة، وأكثرُ ما يجيء إضمار القصةِ مع المؤنثِ، وإضمارها مع المذكر جائزٌ في القياس؛ لأنَّ التذكير على إضمار المذكرِ، وهو الأمرُ والحديثُ، فجائزٌ إضمارُ القصةِ والتأنيثِ لذلك" [6] .
ويقولُ ابنُ مالكٍ:"وإفراده لازمٌ، وكذا تذكيرهُ ما لمْ يَلِهِ مؤنثٌ، أو مذكرٌ شبيهٌ به مؤنثٌ، أو فعلٌ بعلامةِ تأنيثٍ، فيرُجحُ تأنيثهُ باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشأن" [7] ،
(1) ينظر: (التوبة / 40) ، (النازعات / 41) .
(2) ينظر: (الروم / 38) ، (الصافات / 172) ، (الزمر / 33) .
(3) ينظر: شرح المفصل، 3/ 114، وارتشاف الضرب، 1/ 485 - 486، وشرح الرضي على الكافية، 2/ 464، وهمع الهوامع، 1/ 232.
(4) شرح المفصل، 3/ 114.
(5) شرح الرضي على الكافية، 2/ 464 - 465.
(6) شرح المفصل، 3/ 116.
(7) تسهيل الفوائد، 28.