الصفحة 18 من 128

واستعمالُ ضمير المفرد المذكر (هو) ، في غير قراءة عبد الله بن مسعود، وإن كان المشار إليه آيات القرآن، دلالةٌ على عظم هذه الآيات، وزيادة في علُوِّ شأنها ومكانتها.

وقال تعالى {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} (ص: 58) ، فقد أخبر عن المفرد المذكر (آخر) ، بجمعٍ مذكر (أزواج) ، وجاز هذا؛ لأن معنى (آخر) ، المصدر فقد قال تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ - وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} (صّ: 57 - 58) ، أي ولنعذبهم عذابًا آخر"وإذا كان المعنى للفعل خُبِّر عن الواحد باثنين وجماعة كما تقول عذاب فلان ضربان وعذابه ضروبٌ شتى" [1] ، أو جاز ذلك لأن العذاب متعدد؛ فسمى"كل جزءٍ من ذلك الآخر باسم الكل" [2] ، وقد قرأ الحسنُ ومجاهد والجحدريُّ وابنُ جُبير وعيسى وأبو عمرو (أُخر) على الجمع [3] ، وبكلا القراءتين ومعنييهما تتم المطابقةُ بين المبتدأ والخبر.

وقال تعالى: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} (القيامة: 14) ، فقد أنَّثَ الخبر المفرد (بصيرة) ، مع تذكير المبتدأ المفرد (الإنسان) ، وقد ورد لفظ (الإنسان) في القرآن الكريم خمسًا وأربعين مرةً، لا يوجد في أيِّ موضع من تلك المواضع ما يشير إلى تأنيثه، ومن ذلك - على سبيل المثال- قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ} (يونس: 12) ، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (يّس: 77) .

والسبب في هذا التأنيث يرجعُ إلى الحمل على المعنى، فالبصيرة بمعنى شاهد، وهو شهود الجوارح، وهذا تفسير ابن عباس ومجاهد1، فاللهُ تعالى يقول: يَوْمَ تَشْهد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ

(1) معاني القرآن الكريم، النحاس، 6/ 130 - 131.

(2) البحر المحيط، 9/ 168.

(3) ينظر: المصدر نفسه، 9/ 169، ونسب الفراء هذه القراءة إلى مجاهد فقط، ينظر: معاني القرآن، الفراء، 2/ 410 - 411، وقد تفاوتت نسبة هذه القراءة بين العلماء، فبعضهم ينسبها إلى جماعة، وبعضهم ينسبها إلى اثنين، وبعضهم ينسبها إلى واحد، ينظر= = تفصيل ذلك: السبعة في القراءات، 58، ومعاني القرآن الكريم، النحاس، 6/ 130، والحجة في القراءات السبع، 1/ 306، وحجة القراءات، 1/ 615.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت