في جريح وصبور" [1] ."
الثاني:
إن لفظ (رميم) معدول عن (رميمة) ، أي معدول عن (فاعلة) ،"وإنما قال رميم ولم يقل (رميمة) ؛ لأنها معدولة عن (فاعلة) ، وما كان معدولًا عن وجهه ووزنه، كان مصروفًا عن"
إعرابه، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ، أسقط الهاءَ؛ لأنها مصروفةٌ عن باغيةٍ" [2] "
الثالث:
حَملُ الآية على المعنى، فـ (رميم) بمعنى (بالية) ، يقول القرطبي:"قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ"
وَهِيَ رَمِيمٌ، أي باليةٌ، رمَّ العظمُ فهو رميمٌ ورمامُ" [3] ، وهو الذي أراهُ؛ فإن العدولَ عن لفظٍ إلى آخرَ في القرآن الكريم، لا يكون إلا لغاية جمالية، فلو رجعنا إلى تفسير هذه الآية، لوجدناها قد نزلت في أحد المعاندين والمنكرين للبعث، فقد أتى اُبيُّ بنُ أبي خلفٍ إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وفي يده عظمٌ قد بلى، فقال للنبي:"أترى الله يحيي هذا بعدما رمَّ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: نعم، ويبعثكَ ويدخلكَ النار" [4] ."
فنحن نلاحظ أن هذا الكافر أراد أن يستنكر قدرة الله تعالى على البعث والنشور، فجاء بعظم قد أبلته السنون، عادلًا في خطابه للمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، عن استعمال لفظ (بالية) - مثلًا - إلى لفظ (رميم) ، تأكيدًا وإنكارًا منه على أن لا مجال لإحياء الموتى من هذه العظام التي أهلكها مرُّ الليالي والأيام، وهذا المعنى لا يمكن لأي لفظة أُخرى أن تؤديه، فقد تكرر فيها صوت (الميم) ، وهو من الأصوات المتوسطة بين الشدة والرخاوة، والذي يحدث حفيفًا عند النطق به وهذا الحفيف يُقرب هذه الأصوات من الأصوات الرخوة [5] ، وكل هذه الصفات تُناسب الهلاك الذي أصاب هذه العظام، فاللفظة مختارة بدقة من بين عدد من الألفاظ، فحتم هذا الاختيار دقةََ معنى الجملة، والمناسبةَ مع السياق العام [6] .
(1) فتح القدير، 4/ 383.
(2) الجامع لأحكام القرآن، 15/ 58، وينظر البرهان في علوم القرآن، 3/ 363، وفتح القدير، 4/ 383، والآية من (مريم / 28) .
(3) الجامع لأحكام القرآن، 15/ 58.
(4) تفسير البيضاوي، 4/ 443.
(5) ينظر: الأصوات اللغوية، 45 - 46.
(6) ينظر: الإعجاز الفني في القرآن، 75.