وذلك نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (التوبة: 28) ، فقد اخبر عن الجمع المذكر (المشركون) ، بمفرد مذكر (نجس) ، ولم يقل (أنجاس) مثلًا.
إنَّ سببَ إفراد الخبر، راجعٌ إلى كون (نجس) مصدرًا، والمصادرُ لا تُثنى ولا تجمع، بل هي مفردةٌ على كلِّ حالٍ، يقول البغوي:"وهومصدرٌ يستوي فيه الذكرُ والأُنثى، والتثنية والجمعُ" [1] ، ويقول القرطبي:"يٌقال: (رجلٌ نَجَسٌ) و (امرأةٌ نَجَسٌ) ، و (رجلان نَجَسٌ) و (امرأتان نَجَسٌ) ، و (رجالٌ نَجَسٌ) و (نساءٌ نَجَسٌ) ، لايُثنى ولا يُجمع؛ لأنه مصدرٌ" [2] .
إنَّ العدول عن لفظ (أنجاس) وغيره من الألفاظ التي تدل على قبح المشركين، إلى لفظ المصدر (نَجَسٌ) ، جاء ليقرر معنىً خاصًا وفريدًا، ألا وهو أن المشركين هم النجاسة عينها. [3]
وقال تعالى: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (إبراهيم: 43) ، فلم يتاطبق المبتدأ (أفئدتهم) مع خبره (هواء) .
والقول في هذه الآية من وجهين:
الأول:
حملُ الآية على المعنى، فالمقصود بـ (هواء) أنها فارغةٌ وخربةٌ وخاويةٌ، يقول العكبريُّ:
"فإن قيل كيف أفرد هواء وهو خبر لجمع، قيل لما كان معنى (هواء) ها هنا فارغة متخرقة، أفرد، كما يجوز إفراد فارغة؛ لأن تاء التأنيث فيها تدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم، ومثله (أحوالٌ صعبةٌ، وأفعالٌ فاسدةٌ) ، وغير ذلك."1
الآخر:
إنَّ الهواءَ مصدرٌ، وكما قلنا إن المصادرَ مفردةٌ في كلِّ حالٍ، ولا يخفى ما في هذا الرأي من بلاغةٍ وروعةٍ ودقةٍ في التعبيرِ، فقد جعل القلوبَ هي عين الهواء؛ لشدة حيرتها وذهولها من فزعِ ذلك اليوم العظيم، فهي مضطربةٌ جائشةٌ في صدور المجرمين،"وإنها تجئ وتذهب وتبلغ على ما رُوي، حناجرَهم فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبدًا في اضطرابٍ"2.
(1) معالم التنزيل، 2/ 281، و (هو) يقصد به المصدر (نجس) .
(2) الجامع لأحكام القرآن، 8/ 105.
(3) ينظر: الكشاف، 2/ 34، وتفسير النسفي، 2/ 122، والبحر المحيط، 5/ 397 - 398، وإرشاد العقل السليم، 4/ 57.
1 التبيان في إعراب القرآن، 2/ 70، وينظر: روح العاني، 13/ 452.
2 البحر المحيط، 6/ 452
3 ينظر: (الكهف / 59) ، و (النمل / 52) ، و (الأحزاب / 6) .