وما كان الخروج عن المطابقة في هذه المواطنِ، إلا زيادةَ بلاغةٍ وإبداعٍ في النصِ القرآنيِّ.
2 -المبتدأ جمعٌ مؤنثٌ والخبرُ جمعٌ مؤنثٌ:
وهو قليلُ الورود في القرآنِ الكريمِ، وقد طابق الخبرُ المبتدأ في كلِّ مواضع الورود، إلا في موضعٍ واحدٍ.
فمثالُ المطابقة قولُه تعالى: {ألر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (يونس: 1) ، وقوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (يوسف: 1) ، وغير ذلك3.
ما ظاهره عدم المطابقة:
أما الموطنُ الذي لم تتم فيه المطابقةُ، فهو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} (آل عمران: 7) ، فقد أخبر عن الجمع المؤنث (هنَّ) ، بمفرد مؤنث (أمُّ) .
والحديث في هذه الآية من ثلاثة أوجه: -
أولها:
أراد بهذا التعبير أنَّ الآياتِ تُعدَّ آيةً واحدةً، أي أنَّ آياتِ القرآن عبارة عن معجزة واحدة، فالآيات كأنها آية واحدة في بلاغتها ودقة نظمها وإعجازها، فأفرد على هذا المعنى [1] .
ثانيها:
الاكتفاء بالمفرد عن الجمع"كما قال علقمة الفحل:"
بِهَا جِيَفُ الحَسَرى فأمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وأمَّا جِلدُها فَصَلِيبُ.
إنما يريد جلودها فوحد؛ لأنه قد عُلم أنَّه لا يكون للجماعةِ جلدٌ." [2] "
ثالثها:
إنَّ كلَّ آيةٍ من آياتِ القرآن الكريم أُمُّ الكتابِ،"كما قال الله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} ، أي فاجلدوا كُلَّ واحد منهم" [3]
(1) ينظر: معالم التنزيل، 1/ 278، والتبيان في إعراب القرآن، 1/ 124، وإرشاد العقل السليم، 2/ 7، وروح المعاني، 3/ 180.
(2) الجامع لأحكام القرآن، 1/ 190، والبيت لعلقمة الفحل من قصيدة له يمدح فيها الحارث بن جبلة، وكان أسر أخاه، ويصف في هذا البيت طريقه التي سلكها إلى ممدوحه، و (الحسرى) هي (المُعيِيَة) من الإبل، يتركها أهلُها في السفر فتموت، ووصف عظامها بالبيض؛ لأن السباع والطير أكلت لحمها فتركت عظامها متعرية، و (الصليب) ، اليابس من الجلد الذي لم يُدبغ. ينظر ديوان علقمة الفحل، 40 - 41، والكتاب، 1/ 209، والمقتضب، 2/ 173.
(3) إرشاد العقل السليم، 2/ 7، والآية من سورة (النور/ 4) .