الصفحة 27 من 128

والوجه الأول أولى؛ لقوة بلاغته، فإن البارئَ عزَّ وجلَّ قد عدل عن لفظ (أُمهات) إلى لفظ (أُمُّ) ؛ ليبين أنَّ آيات القرآن كلها تعدل آيةً واحدةً، فعلى الرغم من أنَّ كُلَّ آياتِ الكتابِ مُعجَزَةٌ، لم يستطعْ العربُ أن يقاربوا إعجازها، فكيف يأتوا بمثلها؟ وكيف إذا كان كُلُّ هذا يعدل آيةً ... واحدةً؟ فالمسألة أصعبُ، والتحدي أكبرُ.

د- المطابقة بين المبتدأ والخبر تعريفًا وتنكيرًا:

لا تُشترطُ المطابقةُ في التعريف والتنكير بين المبتدأ والخبر، وكما هو معروف، إنَّ غايةَ الكلام وهدفَه إفهامُ السامع ما يجهلُ، وإعلامه به، فإنه يتحتم على المتكلم في أغلب الأحوال أنَّ يبدأ كلامَه بما يعرفهُ السامعُ ويفهمهُ، وهذا لا يكون إلا بالمعرفة أو ما يُجاريها. [1]

والأصلُ في باب المبتدأ والخبر أنَّ يُبتدأ بالمعرفة، ويُخبر عنها بالنكرة، فـ"الابتداء إنما هو خبرٌ، وأحسنه إذا اجتمع نكرةٌ ومعرفةٌ أنَّ يُبتدأ بالأعرف، وهو أصلُ الكلام" [2]

يقول المبردُ:"فأما المبتدأ فلا يكون إلا معرفةً أو ما قاربَ المعرفةََ من النكرات، ألا ترى أنك لو قلتَ: (رجل قائمٌ) ، أو (رجلٌ ظريفٌ) ، لم تُفد السامعَ شيئًا؛ لأنَّ هذا لا يُستنكر أن يكونَ مثلُه كثيرًا" [3] .

وقد يُطابق المبتدأ الخبرَ في التعريف، جاء في كتاب الأصول:"الثاني: أن يكون المبتدأ معرفةً والخبرُ معرفة، نحو: زيدٌ أخوكَ، وأنتَ تُريدُ أنه أخوه من النسب، وهذا ونحوه إنما يجوز إذا كان المخاطبُ يعرف زيدًا على انفراده ولا يعلم أنه أخوه 000 ولا يدري أنه زيدٌ هذا، فتقول له: أنتَ زيدٌ أخوكَ، أي هذا الذي عرفته هو أخوكَ الذي كُنتَ علمته، فتكون الفائدة في اجتماعهما، وذلك هو الذي استفاده المخاطبُ، فمتى كان الخبرُ عن المعرفةِ معرفةً، فإنما الفائدة في مجموعهما" [4]

أما الصورة الثالثة، فهي مجيء المبتدأ نكرةً وكذا خبره، وهذه الصورة أيضا مظهرٌ من مظاهر المطابقة بين المبتدأ والخبر، وهذا وإن كان أصله غير جائز، إلا أنه يجوز إذا وُجدَ تخصيصٌ للمبتدأ النكرة،"والضرب الثالث أن يكونا نكرتين، كقولك: (رجلٌ من قبيلةِ كذا عالمٌ) ، والإخبار بالنكرة عن النكرة غيرُ مستقيم في الأصل؛ إذ إسنادُ المجهولِ لا نصيبَ لهُ في الإفادةِ، فإنما تأتي النكرتان إذا وُجدَ تخصصٌ، كما فعلتَ في تخصيصكَ (رجلٌ) ، بقولكَ (من قبيلةِ كذا) " [5] .

(1) كالنكرة الموصوفة.

(2) الكتاب، 1/ 328.

(3) المقتضب، 4/ 127، وينظر: الأصول في النحو، 1/ 63، وشرح المفصل، 1/ 85 - 86.

(4) الأصول في النحو، 1/ 71، وينظر: شرح المفصل، 1/ 98، ويقصد بقوله (الثاني) ، أي من أحوال المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير.

(5) المقتصد في شرح الإيضاح، 1/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت