الصفحة 28 من 128

إذن، فمدارُ الحديثِ حولَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ من تعريفِ المبتدأ والخبرِ أو تنكيرهما، هو فائدةُ السامعِ، فمتى ما حصلتْ الفائدةُ، جازَ الكلامُ.

إن تطبيقَ تلك الصور التي تحدثنا عنها، جاء في القرآن الكريم بنسبٍ متفاوتة، فالصورة الأولى كان لها النصيب الأكبر في القرآن الكريم؛ لكونها الأصلَ في هذا الباب، أما الصورة الثانية فهي أقلُّ من الأولى، وأما الثالثة فأقلُّ منهما، فمثال المبتدأ المعرفة وخبره النكرة، قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (البقرة: 11) ، وقوله تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (البقرة: 259) ، وقوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} (آل عمران: 39) .

أما مثال تطابق المبتدأ والخبر تعريفًا، فنحو قوله تعالى: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 160) ، وقوله تعالى: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (الأنبياء: 34) ، وقوله تعالى: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الأنبياء: 44) .

وأما مثال تطابق المبتدأ والخبر تنكيرًا فنحو قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (البقرة: 217) ، وقوله تعالى: {قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [1] } (البقرة: 220)

ثانيًا: المبتدأ الذي له فاعلٌ يسدُ مسدَّ الخبر:

لقد اعترض بعضُ الدارسين على جعل هذا التركيب من باب المبتدأ والخبر، قال الدكتور مهدي المخزومي:"أما قولنا: أقائمٌ الرجلان؟ أو قائمٌ الرجلان، فرفعهُ لا يعني شيئًا، ولا دلالةَ لهُ على معنىً إعرابي يقتضي الرفعَ، ولهذا كان من السخفِ القولُ بأنه مرفوعٌ على الابتداء، كما زعم البصريون، وأنه مبتدأ سدَّ فاعلُهُ مسدَّ خبرهِ" [2] .

ورأي الدكتور المخزومي أتى من الاعتقاد بأن صيغة (فاعل) فعليةٌ في اللفظ والمعنى، وهذه الصيغة وإن وقعت في سياق النفي أو الاستفهام، فإنَّ كنهها وحقيقتها لا تتغير ولا تتبدل [3] ، ومن هذا المنطلق تحامل الدكتور المخزومي على البصريين؛ لأنهم لم يعدوا هذه الصيغة ضمن أبنية الأفعال. [4]

(1) ينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، 8/ 225

(2) في النحو العربي نقد وتوجيه، 139 - 140.

(3) المصدر نفسه، 119.

(4) المصدر نفسه، 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت