وقد لا يتطابق الوصفُ والمرفوعُ في الإفراد وفرعيه، فقد يجئ الوصفُ مفردًا ومرفوعُهُ مثنىً أو مجموعًا، وذلك نحو قولنا: (أقائمٌ أخواكَ) ، و (أقائمٌ اخوتُكَ) ، وفي هذه الحالة يُعرب الوصفُ مبتدأ ومرفوعه فاعلا له يسد مسد الخبر لا غيرُ؛ لأننا لو حملنا هذا التركيب على التقديم والتأخير، لألزَمَنَا ذلك، الإخبارَ عن المثنى والجمعِ بالمفرد، وهذا لا يجوز.
إن سبب جواز حالة عدم التطابق؛ هو النظر إلى هذا التركيب من زاوية المعنى، يقول ابنُ يعيش:"وأعلمْ أنَّ قولَهم: (أقائمٌ الزيدان) إنما أفاد نظرًا إلى المعنى، إذ المعنى (أيقومُ الزيدان) " [1] ، فالمعنى معنىً فعلي.
وورد هذا التركيب في القرآن الكريم في آياتٍ قليلةٍ، وذلك في قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُو} (يونس: 53) ، وإن كان (حقٌ) ليس وصفًا، إلا إنه بمعنى (ثابت) [2] ، يقول العكبري:"وقوله تعالى: {أَحَقٌّ هُو} مبتدأ، و (هو) مرفوع به، ويجوز أن يكون (هو) و (أحقٌ) الخبر" [3] وهذا الإعراب على ما مرَّ بنا من جواز الوجهين، لكون المبتدأ ووصفه مفردين [4] ، ونحن نلاحظ أن المطابقة قد تمت بين الوصف ومرفوعه إفرادًا وتذكيرًا.
وقال تعالى: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} (مريم: 46) ، وقد تطابق الوصفُ (راغبٌ) مع مرفوعهِ (أنتَ) إفرادًا وتذكيرًا، وإعرابُ هذه الآية، يكون بجعل الوصفِ مبتدأ، والمرفوعِ فاعلًا يسد مسد الخبر، لا على التقديم والتأخير؛ ذلك لأن الأصل عدمُ التقديم والتأخير، ولو قلنا به للزم الفصلُ بين العامل (أراغبٌ) ، ومعموله (عن آلهتي) ، بأجنبي (أنتَ) ، فـ (أنتَ) مبتدأ مؤخر، و (راغبٌ) ، خبر مقدم، ولا عملَ للخبر على المبتدأ، وبذلك يكون (أنتَ) فاصلًا بين العامل (أراغبٌ) ، ومعموله (عن آلهتي) ، بخلاف لو قلنا بالفاعلية. [5]
وقال تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} (الأنبياء: 95) ، فـ (حرامٌ) مبتدأ، و (أنهم لا يرجعون) فاعل يسد مسد الخبر، [6] والمعنى"ممتنع رجوعهم إلى الدنيا" [7] ، ولم يتخالف
(1) شرح المفصل، 1/ 96.
(2) ينظر: روح المعاني، 11/ 135، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم، 8/ 223.
(3) التبيان في إعراب القرآن، 2/ 29، وينظر: الجامع لأحكام القرآن، 8/ 351
(4) ينظر: ص (26) من البحث.
(5) ينظر: مشكل إعراب القرآن، 2/ 456، والبحر المحيط، 7/ 270، وشرح ابن عقيل، 1/ 197، وأضواء البيان، 3/ 438 - 429.
(6) ينظر: التبيان في إعراب القرآن، 2/ 137.
(7) المصدر نفسه، 2/ 137، وينظر: إرشاد العقل السليم، 6/ 84 - 85، وفتح القدير، 3/ 426، وروح المعاني، 17/ 91.