وأمَّا القولُ بالتقديم والتأخير، فهو للمبرد [1] ، ويكون المعنى:"والله أحق أن يرضوه ورسوله" [2] ، وبهذين المعنيين لا مخالفة.
ثالثها:
لمْ يقلْ (ترضوهما) ؛ لأنه لا يُجمعُ بين لفظ الجلالة واسم في ضميرٍ، يقول الجصاصُ:"ولم يقل: (ترضوهما) ؛ لأن اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب بين يديه رجلٌ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: قُمْ، فبئس خطيب القوم أنتَ، لقوله: ومن يعصهما" [3] .
والأول من الوجوه أولى؛ لسلامته من الحذف، أو التقديم والتأخير، ولورود مثل هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31) ، فمحبة الله لعباده تأتي من اتباع الرسول وحبه، وكذلك الحال بالنسبة في رضا الله وخشيته.
وقال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} (النساء: 4) ، فالضمير في (منه) مفردٌ مذكرٌ، ومرجعه (صدقاتهن) جمعٌ مؤنثٌ.
والقول في هذه الآية من وجوه منها:
أولًا:
إن (الصدقات) في الآية بمعنى (الصداق) ، وإذا عاد الضمير في (منه) على هذا المعنى، تتم المطابقةُ بين الضمير ومرجعه، قال الواحديُّ:" {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ} أي إن طابت لكم أنفسهن عن شيءٍ من الصداق، فكلوه هنيئًا في الدنيا لا يقضي به عليكم سلطانٌ، مريئًا في الآخرة لا يؤاخذكم الله به" [4] ، وقال الزمخشريُّ: أو يرجع الضميرُ إلى ما هو في معنى الصدقات، وهو الصداق" [5] ."
(1) ينظر: المقتضب، 3/ 112 - 113.
(2) معاني القرآن، النحاس، 3/ 229، وينظر حول رأيي سيبويه والمبرد: مشكل إعراب القرآن، 1/ 331 - 332، والجامع لأحكام القرآن، 8/ 193 - 194، والبحر المحيط، 5/ 450، وإرشاد العقل السليم، 4/ 78.
(3) أحكام القرآن، الجصاص، 5/ 244، وينظر: البرهان في علوم القرآن، 3/ 127 - 128، والحديث النبوي الشريف في: صحيح مسلم، 2/ 594، وسنن البيهقي الكبرى، 1/ 86، وفتح الباري، 7/ 468.
(4) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1/ 252.
(5) الكشاف، 1/ 376، وينظر: تفسير النسفي، 1/ 206، وتفسير البيضاوي، 2/ 146، والبحر المحيط، 3/ 511، وقد نسب هذا الرأيَ أبو حيانٍ إلى عكرمةَ، وفتح القدير، 1/ 422.