ثانيًا:
إن الضمير في الآية يجري مجرى اسم الإشارة،"فكأنَّه قيل عن أي شيءٍ من ذلك، كما قال الله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} ، بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روي عن رؤبة أنه قيل له في قوله:"
كَأنَّهُ فِي الجِلدِ تَولِيعُ البَهَق
فقال: أردتُ كأن ذاك" [1] ."
وقد ذكر أبو حيانٍ غير هذين الوجهين، فقد جاء في البحر المحيط:"وقيل يعود على المال، وهو غير مذكورٍ، ولكن يدل عليه صدقاتهن، وقيل يعود على الإيتاء، وهو المصدر الدال عليه (وآتوا) ، قاله الراغبُ، وذكره ابنُ عطيةٍ" [2] ،
والأول أولى؛ لأنه جرى في كلام العرب الحملُ على المعنى في التأنيث والتذكير.
مما سبق نستطيع القول إن المطابقة بين الضمير المفرد المذكر ومرجعه، هي الغالبة في القرآن الكريم، وما جاء في ظاهره مخالفًا لهذه المطابقة، فإنه راجعٌ إلى الحمل على المعنى، كما مرَّ.
ثانيًا- إذا كان الضمير مفردًا مؤنثًا:
فالواجبُ في الضمير المفرد المؤنث المطابقةُ مع مرجعه إفرادًا وتأنيثًا، وهذا هو الغالب في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدا} (البقرة: 58) ، فالضمير في (منها) عائدٌ على القرية، والمطابقة حاصلةٌ بين الضمير ومرجعه إفرادًا وتأنيثًا
(1) الكشاف، 1/ 376، وينظر: تفسير البيضاوي، 2/ 146 - 147، والبحر المحيط، 3/ 511 - 512، وفتح القدير، 1/ 422، والآية في قول الزمخشري من (آل عمران / 15) ، وقول رؤبة هو عجز بيت له، وصدره: (فيها خطوطٌ من سوادٍ وبلق) ، والبيت في وصف مفازة، وفي الديوان (كأنَّها) بدل (كأنَّه) ، ينظر: مجموعة أشعار العرب وهو مشتمل على ديوان رؤبة بن العجاج، 104، قصيدة رقم / 40، وعجزه في الكشاف، 1/ 376، وتفسير البيضاوي، 2/ 147، والبحر المحيط، 3/ 512.
(2) البحر المحيط، 3/ 512.