ثانيًا:
إن الضمير يعود على المصدر وهو (الاستعانة) ، المفهومة من قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا} ، يقول صاحب مشكل إعراب القرآن:"وقيل بل يعود على الاستعانة، ودلَّ على الاستعانة قوله: {وَاسْتَعِينُوا} " [1] ، ويقول أبو حيانٍ:""وقيل يعود على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: {وَاسْتَعِينُوا} ، فيكون مثل: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، أي العدل أقرب،
قاله البجلي [2] " [3] ، وقد ذكر هذا الرأي محمد [4] بن القاسم النحوي [5] ، والمطابقة حاصلة أيضًا."
ثالثها:
إنَّ الضمير عائدٌ على الكعبة، يدل على ذلك ذكرُ الصلاة، جاء في زاد المسير:"والثاني أنها للكعبة والقبلة؛ لأنه لما ذكر الصلاة دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل" [6] ، وقد ذكر أبو حيانٍ سبعة أقوالٍ في هذه الآية من ضمنها الثلاثة التي ذكرنا. [7]
وأرجح هذه الأقوال، أولُهُا؛ ذلك لأن الصلاة أعمُّ من الصبر [8] ، وظاهر الكلام يدل عليها،"وهو القاعدة في علم العربية: أن ضمير الغائب لا يعودُ على غير الأقرب إلا بدليل" [9] ، ويقول الألوسي:" {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، الضمير للصلاة كما يقتضيه الظاهرُ، وتخصيصها برد الضمير إليها؛ لعظم شأنها، واستجماعها ضروبًا من الصبر" [10] .
(1) مشكل إعراب القرآن، 1/ 92.
(2) هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير الكوفي، مفسر أديب إمام في معاني القرآن وعابد كبير، أقام بنيسابور يعلم الناس العلم وتوفي ودفن فيها سنة اثنتين وثمانين ومائتين، ينظر: طبقات المفسرين، 1/ 40 - 41.
(3) البحر المحيط، 1/ 299، والآية من (المائدة / 8) ، وينظر: الكشاف، 1/ 214، والجامع لأحكام القرآن، 1/ 747، وتفسير النسفي، 1/ 46، والبرهان في علوم القرآن، 3/ 128، وفتح القدير، 1/ 79، وروح المعاني، 1/ 249.
(4) هو أبو بكر بن أبي محمد بن بشار بن الحسن الأنباري النحوي، صدوقٌ ثقة حبرٌ من أهل السنة، صنَّف في النحو والأدب وعلوم القرآن وغريب الحديث، ومن تصانيفه: (غريب الحديث) ، و (إعراب القرآن المسمى بالبيان) ، وقيل إنَّه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيرًا للقرآن الكريم بأسانيدها، ولد سنة إحدى وسبعين ومئتين، وتوفي سنة ثمان وعشرين وقيل سبع وعشرين ومئتين. ينظر: طبقات المفسرين، 1/ 66 - 67.
(5) ينظر: زاد المسير، 1/ 76.
(6) زاد المسير، 1/ 76، ويقصد بـ (الثاني) أي القول الثاني في مرجع هذا الضمير، وينظر: البحر المحيط، 1/ 299.
(7) ينظر: البحر المحيط، 1/ 299.
(8) معالم التنزيل، 2/ 288.
(9) البحر المحيط، 1/ 299، وينظر: البرهان في علوم القرآن، 3/ 128.
(10) روح المعاني، 1/ 249.