"فقيل يحتمل أن يكون النهي عن ذلك لما يتقى وقوعه مع حالة المتمني من إضاعة الحزم وترك الإعداد للعدو، إذ يكون مع التمني استسهال للأمر وتهاون بالعدو ترك للحذر وفي ذلك ضرر كبير .. هذا معنى ما ذكره المازري في المَعْلَم .. ولا يبعد عندي أن يقال إنما نهى عن ذلك لأن لقاء العدو شدة ومكروه ينزل به وهو محل ابتلاء من الله تعالى وامتحان للعبد ... وإذا كان كذلك لم يؤمن أن يكون ثمّ تقصير أو خذلان ببعض ذنوبه وعجز عن القيام بواجب حقوقه، فقد يفر ولا يصبر وفي ذلك شقاءه ... ثم هذا ليس من تمني الطاعات في شيء إنما هو من تمني المكاره ليكون منه عليه صبر بزعمه، وذلك ما لا ينبغي أن يغفله أحد".
* الذي يحمل على العدو وحده:
"أحوال الذي يحمله وحده ثلاث، حال اضطرار وذلك حيث يحيط به العدو فهو يخاف تغلبهم عليه وأسرهم إياه، فذلك جائز أن يحمل عليهم باتفاق، وحال يكون فيها في صف المسلمين ومنعتهم فيحمل إرادة للسمعة والاتصاف بالشجاعة فهذا هو حرام باتفاق، وحال يكون كذلك مع المسلمين فيحمل غضبًا لله محتسبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم فمنهم من كره حمله وحده، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واستحسنه إذا كانت به قوة، وفي فعله ذلك منفعة، إما لنكاية العدو أو تجرئة المسلمين حتى يفعلوا مثل ما فعل، أو إرهاب العدو وليعلموا صلابة المسلمين في الدين، وبالجملة فكل من بذل نفسه لإعزاز الدين وتوهين أهل الكفر فهو المقام الشريف الذي تتوجه إليه مدحه الله تعالى وكريم وعده في قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. الآية) ...".
* في المبارزة:
"قال أبو بكر بن المنذر (في حكم المبارزة بدون إذن الإمام) ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك في موطن من المواطن، بل ظواهر الأخبار في مواضع من ذلك تدل على أن بعضهم قد كان يبارز ولا يستأذنه فلا يمكر ذلك عليه .. انتهى، (قال ابن المناصف) وهذا الوجه أظهر".
* إعانة المسلم المبارز للكافر:
"والأظهر - إن شاء الله تعالى - أن يعان المسلم إذا خشي عليه الهلاك على كل حال، يعينه كل من يمكن له ذلك ممن بارز معه، أو كان في الجيش، وسواء شرط الكافر أن لا يعينه أحد أم لم يشترط، ولا وفاء في معصية، إلا أنه إن قدر في إعانته على تخليصه من القرن إذا ظهر عليه من غير التعرض لإصابة الكافر، لم ينبغ التعدي عليه، وإن لم يكن ذلك إلا بالحمل عليه فإنه يبلغ من ذلك إلى حيث يكون فيه خلاص المسلم، ولو أفضى إلى قتل من بارزه ... ولا منكر أعظم من قتل المسلم ظلمًا، فأما من لم يخش الهلاك على المسلم المبارز، فلا يعرض لهم بحال، كذلك فعل المسلمون يوم بدر".