"فيلزم المسلمين الثبوت لمثلي عددهم من الكفار، وإن كانوا أقوى في السلاح والشدة والجلد، وهو المروي عن مالك وغيره من أهل العلم، وهذا هو الصحيح، لأن نص القرآن إنما جاء بالعدد".
* رمي الحصون بمن فيها:
"والأولى - إن شاء الله - والذي نختاره التفصيل في ذلك فنقول: إما إن لم يعلم في الحصن أحد من أسارى المسلمين فالأظهر جواز رميهم مع كون النساء والذرية في جملتهم بدليل قوله في الحديث"هم منهم"إذا لم يُقصدوا وكانت إصابتهم لضرورة الاقتحام، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيهم (لا حمى إلا لله ولرسوله) وإما إن كان في الحصن أحد من أسارى المسلمين يعلم ذلك فالأظهر عندي توقي استعمال ما لا يؤمن فيه إًابتهم، فإن علم أن ذلك لا يصيب الأسرى فلا بأس، وذلك لأن حديث الصعب بن جثامة لم يجيء فيه ذرك المسلم إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين."
والأظهر من هذا وأتم حجة قول الله تعالى في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا) فهذا نص في وجوب التوقي، فإن قيل إن ذلك خاص بأهل مكة فهو دعوى لأن الله تعالى إنما جعل الحرمة في ذلك للإيمان لا لِلبَلَدِ، وهذا التفصيل والفرق الذي اخترناه إنما يعني به الحكم في تقال الحصون وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين لكسر عدوهم ومدافعتهم.
وأما عند لقاء جيوش المشركين وفيهم أسارى من المسلمين فأرجو - إن شاء الله - أن يكون كل شيء مما ينكى به العدو سائغًا، سواء أمن أن يصيب الأسرى من ذلك شيء أو لا، إلا أنهم لا يتعمدون، ويتحفظ عنهم بقدر الوسع، وذلك أن في الكف عن القتال وترك الدفاع في مثل هؤلاء الذين برزوا للمسلمين هلاكًا للناس، وتمكينًا لأهل الكفر من الإسلام ... وهذا كله ما لم يتترس الكفار بالمسلمين، فإن تترسوا بهم بحيث لا يمكن قتالهم إلا من وراء قتل مسلم فالأرجح الذي نختاره الكف جملة، والقتال الذي نراه على حال من غير تفصيل في قتال الحصون أو الجيوش، لأن ذلك إن لم تكن ضرورة فلا خفاء به، وإن كانت ضرورة بحيث يتقى المسلمون على أنفسهم في الكف عن القتال فذلك أيضًا موجود، إذا قاتلوا بقتلهم المسلمين الذين تترس بهم العدو من غير حق، وجب عليهم مبيحٌ لدمائهم، وليس لأحد أن يقتل مسلما بريئًا لينجو بذلك من القتل"."