وآخر يدفعه اتكاؤه على الواقع القبلي الذي يعايشه أن يُجاهر بحمله لسلاحه الآلي بل وقنابله يتجول بها بسيارته هنا وهناك يُريها لهذا ولذاك، ولا يأبه بالثرثرة لكل أحد عن أحلام يقظته وأمانيّه في قتال الأمريكان وتدمير قواعدهم في البلد، ومن ثم يتعجب أشد العجب عندما يواجهه أعداء الله في تحقيقاتهم بذلك كله؛ ويتساءل كيف اطلعوا عليه؟! وكيف وصلهم؟! ويعزوا ذلك إلى إمكاناتهم الرّهيبة!! ووسائلهم الحديثة وجواسيسهم المبثوثين .. و .. و ..
ولايعزوه أبدًا إلى تفريطه وغبائه وتخبّطه الذي يتناساه.
وكم كنت أذكّر أمثال هؤلاء وأعظهم بعدم الإِعتماد على ما عهدوه من قبل من غضّ الطواغيت طرفهم عن عشائرهم وحيازتها للسلاح وأنهم إنّما يفعلون ذلك معهم مادام ولاء العشيرة للدولة ظاهرًا، بل وفي بعض الدول يهدي الطواغيت السلاح المذهّب والمزيّن لمشايخ العشائر ورؤوس القبائل، وماذلك كلّه إلا لمعرفتهم أن هذا السلاح لن يستخدم إلا لنصرة الدولة وتثبيت عروش الطواغيت مادامت القبيلة أو العشيرة منهم وولاؤها لهم.
أما إذا ماغيّر ابن القبيلة ولاءه فصار ولاؤه للإسلام وأهله فقط، وصار من أنصار الدين وأظهر عداءه للطاغوت وتبرّأ من أوليائه أو سعى لجهاد أسياد الطاغوت الغربيين أو الشرقيين فعندها ستختلف الموازين وستنقلب الأمور وسيكشّر الطاغوت ساعتها عن أنيابه لابن القبيلة بل ولقبيلته كلها إن فكّرت بإِيوائه وحمايته .. كيف لا وكثير من هؤلاء الطواغيت قد تنكّر وانقلب على أقرب الناس إليه عند الحقائق فمنهم من أقصى أباه أو غدر بأخيه ونحى أقرب الناس إليه في سبيل مصالحه أو مصلحة نظامه أو لأجل مصالح أسياده؛ فهل يعقل أن تقف عشيرة أو قبيلة عقبة عنده أو عائقًا دون ذلك.
والحقيقة أن هذا أمرٌ ظاهرٌ معروف، وهو بيّن أيضًا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد تنكّرت قريشٌ له مع أنه كان من أفضلها عشيرة وأشرفها أبًا لمّا أظهر براءته من دينهم وأبدى عداوته لآلهتهم وسفّهها، فلم يأبهوا بعشيرته بل تألّبوا عليها وحاصروا بني هاشم في الشِّعب وقاطعوهم وآذوهم.
وهكذا فإن الطواغيت في كل زمان يعتمدون على القبائل في تثبيت عروشهم، ويغضّون الطرف عن كثير من تجاوزاتها ومخالفاتها مادامت موالية لهم تقف في صفّهم وتنحاز إلى عدوتهم، أماحين تفكر بنصرة بعض أبنائها الذين يقفون في العدوة المواجهة للطاغوت _ وهذا نادر في زماننا _ فإن الطاغوت عندئذٍ لا يأبه بها بل سيدكها ويستبيح حرماتها كأن لم تكن مدلّلة عنده بالأمس، وقد عايش الناس ذلك في بلادنا ورأوا كيف دُكت قرىً ومدن بأكملها، وكيف أمست ساحة معركة اقتحمتها المدرعات ودكتها الطائرات عندما حاولت أن تأوي بعض أبنائها ورفضت تسليمهم للدولة، وكنت أسمع أعداء الله يسبّون أولئك الشباب وعشائرهم بأقذع الألفاظ وأحط السباب ويقولونعندنا خطوط حمراء إذا تجووزت فلا نسأل بعشيرة ولا بغيرها.
ولا أشك أن من أهم هذه الخطوط الحمراء وقبل المسّ بعروشهم؛ محاولة المس بأمن أسيادهم الأمريكان.
ولا تتعجب بعد ذلك وبعد أن تُدك مدن بأكملها؛ أن تخرج عشائرها معلنةً ولاءها للنظام وانحيازها لسياساته ببراءتها من الخارجين عليه المخالفين لقوانينه ولو كانوا من أعز أبنائها، فإنه زمن الخنوع والإنكسار.
أفلمْ يأن لإِخواننا أن يعوا هذا الدرس .. وأن ينزعوا على عتبة الإسلام عنجهية الجاهلية وركونها إلى العشائرية أو حُسن ظنها بالقبلية.