فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (1) .
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - فقال:"زملوني، زملوني، زملوني"فزملوه حتى ذهب عنه الروعُ، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر:"لقد خشيت على نفسي"فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسدٍ بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي - فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيه جذاعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو مخرجي هم؟"قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحي.
قال البخاري: وتابعه هلال بن رداد عن الزهري، وقال يونس ومعمر: (ترجف بوادره) .
وفي حديث معمر عن الزهري عند مسلم (فوالله لا يحزنك الله أبدًا) بالحاء والنون.
وزاد البخاري (2) في رواية أخرى قال: (وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم -
= جذعًا: الجذع هاهنا: كناية عن الشباب، يقول: يا ليتني كنت شابًا عند ظهورك لأنصرك وأعينك. نصرًا مؤزرا: أي: مؤكدًا قويًا، ترجف: تخفق وبوادره جمع بادرة، وهي اللحمة تكون بين عتق الإنسان ومنكبه، وكذلك في غير الإنسان.
(1) العلق: 1، 2، 3.
(2) البخاري (12/ 352) 11 - كتاب التعبير - 1 - باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة. يتردى: التردي: الوقوع من وضع عال، الشواهق: الجبال العالية، الواحد: شاهق، أوفى: أشرف على الشيء. وذروة كل شيء: أعلاه، الجأش: الجنان والقلب.