فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 481

رابعًا: يقول الله تعالى في كتابه العزيز:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) " (المائدة) ، فكيف يوفق القائلون بالتدرّج بين هذه الآية وقولهم , فقولهم بجواز التدرج معناه جواز الحكم بغير ما أنزل الله"مرحليًا"، أي أنه لن يحكم بما أنزل الله في كثير من المسائل ومنها المسائل التي يعد العمل بها شرطًا من شروط الإيمان , فهل يجوز تطبيق بعض أحكام الكفر مرحليًا للوصول إلى تطبيق أحكام الإسلام كاملة؟! أم أنه ينطبق علينا حينذاك قوله تعالى:"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" (البقرة) , وإذا نظرنا إلى سيرة الحبيب المصطفى عليه وآله الصلاة والسلام، وجدنا أنه لم يَقْبل أن يعفي ثقيف من بعض الأحكام - ومنها الصلاة - ولم يقبل تأجيل هدم صنمهم اللات شهرًا، بل رفض بشكل حاسم، وأصرّ على أن يجتنبوا ما حرّم الله كاملًا - لا بالتدرج! -

روى ابن هشام في سيرته؛ أنه عندما قدم وفد ثقيف ليفاوضوا رسول الله سألوه:"أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمّى، وإنما يريدون بذلك، فيما يظهرون، أن يتسلّموا بتركِها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يُروِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه ... ) , والصلاة كانت حينذاك قد فرضت، فلم يقل لهم؛ لا تصلّوا مدة ثماني سنوات ثم أدّوها! أو قبل منهم أن يترك لهم اللات شهرًا ثم يهدموها بعد ذلك! فأين التدرّج في ذلك؟!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت