فهرس الكتاب

الصفحة 3117 من 4377

وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَوْتُ، فَالسَّعِيدُ مَنْ كَانَ حَالُهُ بَعْدَهُ إِلَى خَيْرٍ، وَكَثِيرًا مَا يَضْرِبُ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِمَا يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ وَيُنْبِتُ بِهِ زُرُوعًا وَثِمَارًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ حُطَامًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الْكَهْفِ: 45] .

وَقَوْلُهُ تبارك وتعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَمَنْ هُوَ قَاسِي الْقَلْبِ بِعِيدٌ مِنَ الْحَقِّ كقوله عز وجل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الْأَنْعَامِ: 122] وَلِهَذَا قَالَ تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَيْ فَلَا تَلِينُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَلَا تَخْشَعُ وَلَا تَعِي وَلَا تَفْهَمُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.

[سورة الزمر(39): آية 23]

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23)

هَذَا مَدْحٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِكِتَابِهِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ قَالَ مُجَاهِدٌ يَعْنِي الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ مَثَانِي، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْآيَةُ تُشْبِهُ الْآيَةَ، وَالْحَرْفُ يُشْبِهُ الْحَرْفَ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَثانِيَ تَرْدِيدُ الْقَوْلِ ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ: ثَنَّى اللَّهُ فِيهِ الْقَضَاءَ زَادَ الْحَسَنُ تَكُونُ السُّورَةُ فِيهَا آيَةٌ وَفِي السُّورَةِ الْأُخْرَى آيَةٌ تُشْبِهُهَا «1» ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَثانِيَ مُرَدَّدٌ رُدِّدَ مُوسَى فِي الْقُرْآنِ وَصَالِحٌ وَهُودٌ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصلاة والسلام فِي أَمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَثانِيَ قَالَ الْقُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُرَدُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وُيُرْوَى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى:

مُتَشابِهًا مَثانِيَ أَنَّ سِيَاقَاتِ الْقُرْآنِ تَارَةً تَكُونُ في معنى واحد فهذان مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَتَارَةً تَكُونُ بِذِكْرِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ كَذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ الْكَافِرِينَ وَكَصِفَةِ الْجَنَّةِ ثُمَّ صِفَةِ النَّارِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَهَذَا مِنَ الْمَثَانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 13- 14] وكقوله عز وجل: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ- إِلَى أَنْ قَالَ- كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [الْمُطَفِّفِينَ: 7- 18] هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ- إِلَى أَنْ قَالَ- هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: 49- 55] وَنَحْوِ هَذَا مِنَ السِّيَاقَاتِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْمَثَانِي أَيْ فِي مَعْنَيَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ السِّيَاقُ كُلُّهُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ وَلَيْسَ هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آلِ عِمْرَانَ: 7] ذَاكَ مَعْنًى آخَرُ. وَقَوْلُهُ تعالى:

(1) تفسير الطبري 10/ 628.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت