فهرس الكتاب

الصفحة 3756 من 4377

[سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1) قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ آمِرًا لَهُ أَنْ يُنْذِرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وأنابوا رفع عنهم. ولهذا قال تعالى: أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ

أَيْ بَيِّنُ النِّذَارَةِ ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَاضِحُهُ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ، أَيِ اتْرُكُوا مَحَارِمَهُ وَاجْتَنِبُوا مَآثِمَهُ وَأَطِيعُونِ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَيْ إذا فعلتم ما آمركم بِهِ وَصَدَّقْتُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ غَفَرَ الله لكم ذنوبكم، ومن هَاهُنَا قِيلَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ: قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ، وَقِيلَ إِنَّهَا بِمَعْنَى عَنْ تَقْدِيرُهُ يَصْفَحُ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «1» :

وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ يَغْفِرُ لكم الذنوب العظيمة الَّتِي وَعَدَكُمْ عَلَى ارْتِكَابِكُمْ إِيَّاهَا الِانْتِقَامَ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أَيْ يَمُدُّ فِي أَعْمَارِكُمْ ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نَهَاكُمْ عَنْهُ أَوْقَعَهُ بِكُمْ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الطَّاعَةَ وَالْبِرَّ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يُزَادُ بِهَا فِي الْعُمْرِ حَقِيقَةً كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العمر» وقوله تَعَالَى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ بَادِرُوا بِالطَّاعَةِ قَبْلَ حلول النقمة فإنه إذا أمر تعالى يكون ذَلِكَ لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الذي قد قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، الْعَزِيزُ الَّذِي دَانَتْ لِعِزَّتِهِ جميع المخلوقات.

[سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 20]

قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (6) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (9)

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (14)

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (19)

لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (20)

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اشْتَكَى إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَا صَبَرَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي هِيَ أَلْفُ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَمَا بَيَّنَ لِقَوْمِهِ وَوَضَّحَ لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الرُّشْدِ وَالسَّبِيلِ الْأَقْوَمِ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا

(1) تفسير الطبري 12/ 246، 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت