-لا ينبغي لقارئ القُرآن أن يغفل العلوم الشرعيَّة الأخرى، فينبغي أن يتعلَّم العلوم الضروريَّة التي يَحتاجها في أمر دينِه ودنياه، فيتعلَّم - كما قال الغزالي، رحِمه الله - من الفِقه ما يصلح به صلاتَه، ومن المعاملات ما يصحِّح به بيعَه وشراءَه ومعاملاتِه، ومن النَّحو ما يصلح أو يقوم به لسانَه، ويتعلَّم من كل ما يباشره من أمور الدنيا من الأمور الشَّرعيَّة، ويَختلف الغوص في أحَدِ هذه العلوم بِحسب اختصاصِه في الدنيا، وماذا تنفعُه القِراءات إذا كان جاهلًا بأحْكام صلاتِه وعِبادته ومعاملاته؟!
* هل للشيخ أي مؤلفات أو برامج خاصة بالقراءة وأحكام التلاوة، مطبوعة أو تحت الطبع أو مخطوطة؟
-وفَّقني الله - سبحانه - إلى تَحقيق وضبْط كثيرٍ من متون القِراءات وشروحها، بِما لا يتَّسع المقامُ لذِكْره، أمَّا في مَجال التَّأليف فهي عديدة، من أهمِّها: كتاب"المكي والمدني في القُرآن الكريم، وأسلوب كل منهما، وموضوعاته"، وكتاب"فتح المتعالي في القِراءات العشر العوالي من طريق الشاطبيَّة والدرَّة والطيِّبة"، وقد جَمعتُ فيه كلَّ ما صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - من القِراءات، في خَمس مجلَّدات، واشتغلتُ به منذ خَمسة وعشرين عامًا.
* هل من عمل علمي أو ابتِكار يَخدم كتاب الله - تعالى - كنتُ تودُّ لو قمتَ به، أو يقوم به أهلُه من المشتغلين بِخدمة كتاب الله تعالى؟
-هُناك مشاريع كثيرة لخدمة القرآن، منها: جَمع الكتب التي ألفت في القراءات، المخطوط منها والمطبوع، وهي موزَّعة بين الفهارس، ومن المشاريع المفيدة أيضًا: فتْح كلِّيَّات ومعاهد للقُرآن الكريم، وتكون القِراءة فيها على الأصول، وليس بطريقةِ المدارس والمعاهد، أي أن يقرَأَ ختمةً كاملةً مستقلَّة بنفسه، والتوجُّه الآن في العالم الإسلامي إلى هذا الطِّراز من المعاهد، وقد تمَّ فتْح بعضِها في مصر والسعودية.
* ما ثَمرة عِلْم القِراءات وما ضرورتُه؟
-علم القراءات فرضُ كفايةٍ مثل سائر العلوم والفنون والصناعات التي تَحتاجها الأمة، وهو اليومَ فرْضُ عينٍ؛ لرفع الإثْم عن الأمَّة، لأنَّه لم يقم به كفايتُه والرَّغبة فيه قليلة.
* ولكنِّي أرى كثيرًا من الشَّباب يتوجَّه إلى هذا العِلْم، وعندهم حماس منقَطِع النَّظير لجمع القراءات.
-حماس الشباب إلى الإجازات أكثرُ منه إلى الإتْقان، وهذا فيه ما فيه، وكأنَّ صاحبَه يسعى إلى الثَّناء والسُّمعة، وعاقبةُ مَن يقرأ لغرضٍ دنيويٍّ وخيمةٌ، كما جاءت به الأحاديثُ الصحاح، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ علوَّ السَّند لا يُعْتَبر دون إتقانٍ ولُقْيا.
وفي أيَّامنا صار النَّاس يركِّبون سندَ الحديث على سنَد القُرآن، ويدَّعون أنَّ بينهم وبين النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - 22 رجلًا، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ سند المحدِّثين غير سند القُرآن، فالمحدِّثون يشترِطون المعاصرة ولا يشترِطون اللقيا، ولو أردت أن آخذ بأسانيد المحدِّثين لكان 21 رجلًا فقط!
نعم علو السَّند له اعتِبار إذا كان محفوظًا متقنًا، وإسنادُنا إلى النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بفضل الله تعالى - مِن أعلى الأسانيد، وأغلب رجالِه مِمَّن يُشهَدُ له بأنَّه شيخُ قرَّاء زمانِه.
* هذا الموضوع يقودُني إلى ظاهرة بعض القرَّاء الجامعين للقِراءات، ثم لا يتحلَّى بآداب حملة القُرآن، وتَجد سلوكَه وأخلاقه تتنافى مع أخلاقِ القُرآن؟
-العلم للعمل، وإلا صار حُجَّة على صاحبه لا له، والعِلْمُ بلا عمل لا يبلغ به ما يريد إلا إذا كان يريدُ به الدنيا، وصدقَ الشَّاعر الذي يقول:
لَوْ كَانَ لِلْعِلْمِ مِنْ دُونِ التُّقَى شَرَفٌ * لَكَانَ أَشْرَفَ خَلْقِ اللَّهِ إِبْلِيسُ
* هل تأثَّر أهلُك وأولادُك بك، من حيثُ طلب عِلْم القِراءات؟
-رزقني الله ولديْن ذكرَيْن وأربع بناتٍ - ولله الحمْد والمنَّة - وقد وفَّقهم الله جميعًا إلى خدمة كتابِه وحفظِه، والعناية به، وخاضُوا غِمار عدَّة مسابقات دوليَّة، وحازوا على المراكز الأولى فيها، بفضل الله تعالى.
* هذا يُخالف ما يقال من أنَّ أزهد النَّاس بالعالِم أهلُه وذووه، ويُخالف ما عليه حالُ كثيرٍ من أوْلاد المشايخ؟
(يُتْبَعُ)