-أهم شيء في صلاح الأولاد توفيقُ الله وعنايتُه وهدايته، ثم الدُّعاء للأولاد، كما علَّمنا الله سبحانه، وأن يعفو الأبوانِ عن زلاَّت الأوْلاد وتقصيرهم، ليحصُل التَّوفيق والعناية الربانيَّة، وهذا لا يعني التَّهوين من شأن التَّربية والتعليم والقدوة.
* قال - صلى الله عليْه وسلَّم - لعبدالله بن مسعودٍ- رضي الله عنه: (( إنِّي أحبُّ أن أسمعَه من غيري ) )، فمَن من شيوخ القرَّاء يُحبُّ الشَّيخ أن يسمع؟
-عندما كنتُ صغيرًا كنتُ أستمِع لإذاعة القرآن الكريم في مصر، وأقلِّد عبدالباسط، وكنتُ أقلِّد أيضًا الحصري برواية ورْش، وتأثَّرت به كثيرًا؛ لأنَّه يحقِّق الحروف واستفدت منه، ثم الشَّيخ المنشاوي، وقد تأثَّرت به أيضًا في التَّجويد وقِراءة التَّحقيق.
* هذا يذكِّرني بِمسألة التَّقليد: أكثر الحفَّاظ أو طلاَّب العِلْم يُحاول تقليد بعض مشاهير القرَّاء، هل في ذلك ضررٌ ما أو أنَّه ضروري؟
-نعم، المبتدئ لا بدَّ له أن يقلِّد شيخًا إمامًا متقِنًا محقِّقًا في القراءة، وهو ضروري مثل التَّقليد في الفقه، ولكن لا يقلِّد أيَّ قارئ، لا بدَّ أن يكون ممَّن ملك الإتْقان وحسن الأداء.
* من تُحبُّ أن تستمِع لقراءتِه من مشايخ سوريا من القرَّاء؟
-القِراءة المجوَّدة اختصَّ بِها المصريُّون في أوائل هذا القرْن، وهم قلَّة لا يتجاوزون عدَدَ أصابِع اليد؛ لأنَّ قراءة التَّجويد يلزمُها معرفة بالمقامات وحسن الأداء، وممارسة طويلة، وهذا لم يتأتَّ لكثير من القرَّاء، فمصر التي يبلُغ تعدادُها ستين مليونًا، لم يخرجْ منها إلا عددٌ قليل من القرَّاء: الشيخ عبدالفتَّاح الشعشاعي، ثم محمد العيني، ثُمَّ علي محمود، ثم خلفهم محمَّد رفعت والحصري والمنشاوي، وهؤلاء يَجمعون بين تَحقيق الحروف وحسْن الأداء والمعرفة بالمقامات، أمَّا الآن فلا تكادُ تَجِدُ قارئًا، وأقصِد قراءة التَّجويد، أمَّا قراءة الحدْر فيُتْقِنها كثيرٌ من القرَّاء في العالم الإسلامي.
وبِخصوص مشايخ سوريا من القرَّاء، فمنهم شيخي أبو الحسن الكرْدي، يجمع بين حسْن الأداء وجَمال الصَّوت، وإذا قرأ أخذَ بِمجامع القلوب، ولكن دون مقامات.
واليوم تجِد المفتونين بالغِناء يأخذون دوراتٍ في المقامات، وصارت شغلَهم الشاغل، وأن يتعمَّد القارئ القراءة بنغم ويتعهَّده، حتى يصير غرضه من القراءة، فيأخذه النَّغم ولا يقيم الحروف، فهذا مفتون، والعياذ بالله.
* ما الرَّدُّ على مَن يزعُم أنَّ القِراءات تدلُّ على وجود التَّناقض، ووقوع التَّحريف في كتاب الله؟
-إنَّ اختلاف القِراءات اختلاف تنوع لا اختِلاف تضادّ ولا تناقُض، وهذا لا يتصوَّر في كلام النَّاس، فما بالُك بكلام ربِّ النَّاس؟! وهذا الاختِلاف هو لون من ألوان الإعْجاز البلاغي في القُرآن الكريم، ولكن لا يبلغه عقْلُ مَن لا عقل له.
* كثرتْ في الآونة الأخيرة ظاهرةٌ، وهي اشتِراك الشباب في معسكرات قصيرة، ويكلف الطالب فيها بِحفظ أجزاءٍ كثيرة - مثلًا خمسة أجزاء في عشرين يومًا - ما تعليق الشيخ ورأيه؟
-نعم، هناك دورات مكثَّفة، يأتي الشَّباب المدينة المنورة ويتفرَّغون للحفظ بنية الاعتِكاف في المسجد النبوي، بعضُهم ينتقِد هذا النَّشاط ويقول: هذا مِن العبثِ؛ لأنَّ القُرآن سرعان ما يتفلَّت منهم، والصَّحيح أنَّه يحفظ أوقاتَهم وينشِّط فيهم الحفظ، وحتَّى لو نسي فإنَّه يتبعه دورة لتثبيت الحِفْظ ضمن برنامج مدروس، والفائدة ملموسة من مثل هذه الدورات.
* ما تقييم الشَّيخ لتجربة تعليم القِراءة عن طريق القنوات الفضائيَّة؟
-الصحيح أنَّه لا بدَّ للمتعلِّم من الجلوس واللقيا، والمشافهة للشيخ؛ لتلقِّي القرآن وتصحيح أخطائِه، وتقويم لسانه وتَحقيق الحروف.
أمَّا القِراءة عن طريق القنوات الفضائية، فإنَّ فيها تغاضيًا عن عيوب القِراءة، ومجاملةً لتطييب الخاطر؛ لأنَّه يقرأ على الملأ، وهذا يختلِف عن القِراءة وحدَه على الشيخ أو في مجلِس الإقراء.
* كنَّا في معهد لتحفيظ القُرآن، وكان يتنازع منهج التَّحفيظ تيَّاران أو اتِّجاهان: كان بعض المربين يؤكِّد على ضرورة أن يُرافق الحفظ الفهم والتدبُّر لكتاب الله تعالى، وفريق آخَر يقول: من الخطأ أن تشغل الصَّغير بالتَّفسير وتضيِّع عليه سني حفظِه الذهبية.
فما رأي الشَّيخ - حفظه الله؟
(يُتْبَعُ)