فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 42254 من 53113

و مما يدل على أن قوله"ما أسفل الكعبين .."داخلة في معنى"من جرّ ثوبه ..."؛ أن الصحابة الذين رووا اللفظ الأول كانوا يحتجّون على المسبلين باللفظ الثاني. فعن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلا يجر إزاره، فجعل يضرب الأرض برجله وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير، جاء الأمير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطرًا"رواه الشيخان و اللفظ لمسلم.

و عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يجر إزاره فقال: ممن أنت؟ فانتسب له فإذا رجل من بني ليث فعرفه ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول:"من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة"رواه مسلم (2086) .

و قد أُشكل على بعض الأفاضل كون الأمرين وردا جميعًا في حديث واحد؛ و هو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"إزرة المؤمن إلى إنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه و بين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار. لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا". و قد مر تخريجه، و هذا لفظ الإمام مالك رحمه الله في الموطأ، و هو أصحها. و زعم بعضهم أن الجمع بين العقوبتين في لفظ واحد دليل على اختلافهما.

و الجواب: أن قوله"لا ينظر الله يوم القيامة ..."في الحديث هو تذييل لتقرير حكم و تعليله. و لذلك لم تعطف على ما قبلها، كما في الرواية السابقة، و إن كان قد أثبت بعضهم حرف العطف و لكن هذه أرجح. و المعنى: أن من أسبل ثوبه خيلاء وكبرًا، حق له أن يطأ في النار إلى كعبيه، لأن الله لا يرحمه يوم القيامة بل يمقته. و هذا ما فهمه الإمام مالك من الحديث، حيث أورده في (باب) ما جاء في إسبال الرجل ثوبه.

و الدليل على أن قوله"ما أسفل الكعبين"يراد به الإسبال، حديث جابر بن سليم رضي الله عنه الطويل وفيه:"وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة"رواه أحمد (4/ 64) و أبو داود (4084) و ابن حبان في صحيحه (521) و غيرهم.

فتأمل كيف اعتبر مجاوزة الكعبين إسبالًا فنهاه عن ذلك. فصار قوله"إياك و الإسبال"في هذا الحديث، مقابل قوله"ما أسفل من ذلك ففي النار"في حديث أبي سعيد الخدري، و كذلك هي السنة يصدق بعضها بعضًا.

و نظيره حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". رواه ابن أبي شيبة في المصنف، و أبو داود (4094) والنسائي (8/ 208) وابن ماجة (3576) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن أبي رواد.

فقد أجمل الإسبال المنهي عنه ثم بيّن المقصود بالنهي. فهل يصلح أن يقال: أنّ فيه حكمين؛ الإسبال مطلقًا، و الجر خيلاء؟؟؟ لا يمكن ذلك و لا يستقيم، لأنك أنّى توجهت وجدت الإسبال مرادفًا للجرّ و مقيّدًا بالمخيلة.

و أمّا ما ذكره الشيخ - أعني ابن عثيمين رحمه الله - في حديث أبي بكر رضي الله عنه، فجوابه عن الوجه الأول؛ أن العبرة ليست في الحيثية التي اعتذر بها أبو بكر رضي الله عنه، و لكنّ العبرة في جواب رسول الله صلى الله عليه و سلم. و جواب رسول الله صلى الله عليه و سلم صريح في إناطة الحكم بالخيلاء. حيث عدل عما يوهم أنه خاص بأبي بكر أو بمن له عذر إلى لفظ عام يناط به الحكم وجودًا و عدمًا.

و لو كان الأمر كما قال الشيخ رحمه الله و من ذهب مذهبه، لكان جواب رسول الله صلى الله عليه و سلم متعلقًا بتلك الحيثيات، كأن يقول له مثلًا:"ما دمت تتعاهده فلا بأس"، أو"إنك لم تسبل ابتداءً"فلا حرج عليك، أو ما شابه ذلك ...

ـ [أبو صلاح الدين] ــــــــ [23 Jul 2005, 08:22 م] ـ

و أما الوجه الثاني فجوابه: أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في مقام الإفتاء و بيان الأحكام و ليس في مقام المدح و الثناء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت