ذكر الموازين أولًا فقال: (فتنصب الموازين) .
والموازين جاءت مجموعة وجاءت مفردة، فهل هي جمع، أو أن ذكرها بالجمع يراد به التعظيما؛ لأن الميزان له كفتان ولسان -أو الجمع لغير ذلك؟
والجوابقد يطلق المفرد ويراد به الجمع، كما قال جل وعلا: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105] ، ونوح عليه السلام هو أول رسولٍ أرسل إلى أهل الأرض؛ لأن قبله لم يكن شرك، ومع هذا قال: (( الْمُرْسَلِينَ ) )، وهم لم يكذبوا إلا رسولًا واحدًا، ويجوز أن يكون كذلك هنا، فهو ميزان واحد.
وجاء في الصحيح من حديث أبي عامر الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) ، فجعله ميزانًا واحدًا، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى الرجل الضخم الجسيم فيوضع في الميزان فلا يزن جناح بعوضة) ، وهذا أيضًا مفرد، وهذا في الرجل الفاجر.
ومن العلماء من يقول: إِن الموازين حسب الأعمال، ويكون لكل عملٍ ميزان.
ولكن هذا يحتاج أيضًا إلى دليل، فكونها جمعت في القرآن وفي الأحاديث لا يقتضي أنها متعددة، والوزن يكون للأعمال، وقد يكون مع الأعمال للأبدان، أي: يوزن الإنسان نفسه، كما جاء في الحديث أن ابن مسعود كان يجني الكباث وكان دقيق الساقين، فكأن بعض الصحابة تعجب من ذلك، فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولكنهما في الميزان أثقل من جبل أحد) .
وغير ذلك من النصوص التي جاء فيها أن الإنسان نفسه يوزن، ولا مخالفة في هذا للنصوص الأخرى، فيجوز أن يكون هذا وهذا، توزن الأعمال ويوزن أصحابها، وقد جاء صريحًا أن الأعمال توزن كما في حديث أبي عامر الذي ذكرنا وغيره.
وجاء في الترمذي قصة البطاقة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يصاح برجلٍ من أمتي على رءوس الأشهاد يوم القيامة، فيُخرج له تسع وتسعون سجلًا، كل سجلٍ مد البصر فيه سيئاته، فيقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا.
فيقال له: ألك عذر؟ فيقول: لا.
لا عذر لي.
فيقال له: ألك حسنة؟ فيهاب ويقول: لا.
ليس لي شيء.
فيقال له: بلى.
إن لك عندنا حسنة وإنك لا تظلم اليوم شيئًا.
ويخرج له بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا ربِّ! ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟! فيقال له: إنك لا تظلم شيئًا.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة)، فهذا صريح بأن الذي يوضع في كفة الميزان صحائف الحسنات، وفي حديث أبي عامر أن نفس الأعمال توضع.
يقول العلماء: يجعلها الله جل وعلا أجسامًا.
أي: بدل أن كانت أعراضًا تكون أجسامًا، فالأعراض مثل الكلام، والعمل الذي يعمله الإنسان ليس مشاهدًا، ولكن يقلب أشياء مشاهدة، وليس ذلك على الله بعزيز، وهو على كل شيءٍ قدير، فتوضع في الميزان وتشاهد، والميزان له كفتان ولسان، ويميل بمثاقيل الشعر، حتى الذرة يميل بها، كما قال جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40] .
وأخبر جل وعلا أن الوزن حق، وأنه: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:102-103] ، فالوزن في الأعمال بين الحسنات والسيئات، فمن ثقل ميزان حسناته -الكفة التي فيها الحسنات- ولو مقدار شعرة فهو من المفلحين، ومن ثقلت كفة السيئات على كفة الحسنات فهو من الخاسرين الهالكين، وهذا يكون مشاهدًا أمام الخلق كلهم، وكل واحد توزن أعماله ينادى عليه بأنه ثقلت موازينه أو خفت موازينه ويفتضح.
والوقوف والوزن والمحاسبة كلها يتولاها رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يحاسب خلقه، ومحاسبته لهم في آنٍ واحد، يحاسب جميعهم في لحظات، وكل واحدٍ يقرره بذنوبه ويعرضها عليه، وهذا أنواع: نوع تقرير، والعرض نفسه، ونوع في الصحف التي سجلت عليه.
وهنا يقول: (فتوزن بها أعمال العباد) أي: أن الوزن يكون للأعمال التي يراها، وهذا هو أكثر ما جاء في الآثار والأحاديث، كما في الحديث: (أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن) ، وهذا من الأعمال التي يقوم بها الإنسان.
وقوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:8] يعني أن الدليل واضح على أنه أفلح، والفلاح هو السعادة: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103] ، والموازين هنا جمعت بالنسبة إلى كل واحد، وهذا بالنظر إلى الأعمال، ويظهر أن الأعمال يختلف وزنها، فلكل أعمال ميزان، وكل عملٍ يوضع في الميزان على حدة، وذلك لتمام العدل وكماله؛ حتى يظهر أمام الخلق كلهم عدل الله جل وعلا.