قال المعتزلة ومن تبعهم: إن الله إذا أمر عبدًا بشيء من الأشياء ثم لم يعنه على فعله بالأشياء التي يقدر عليها يكون ظالمًا له، وعلى هذا: فلا يجوز أن يقال: إن الله أضل فلانًا وهدى فلانًا، وقد جاء في بعض النصوص: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر:8] .
فما معنى هذا الإضلال والهدى عند هؤلاء الضلال؟ فلا يجوز أن نأخذ عنهم، أو أن نستمع إلى كلامهم، ولكن يجب أن نرد شبهاتهم.
وقالوا: إذا قال الله جل وعلا: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر:8] يعني: إنه يسميه ضالًا، أو يسميه مهتديًا!! وهذا كلام سخيف جدًا وتأويل بارد غير مقبول! فهم يقولون: إنما هي مجرد تسمية، وقالوا في قوله جل وعلا: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات:7] ، التزيين والتحبيب: هو أن يبين لهم الرغبة فيه وما يترتب عليه، هذا هو التزيين والتحسين عندهم، وهو خلاف الواقع، وهذا ليس تأويلًا، بل هو تحريف لكلام الله جل وعلا؛ لأن اللفظ لا يحتمل ذلك، وإنما التزيين والتحسين هو أن يُخلق في القلب تحبيبه وتزيينه له، فيصير محبًا له، ويصير مزينًا في عينه، وراغبًا فيه، فالعمل يتبع ذلك، ولهذا قال: {فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات:8] فبين أن هذا من فضله.
فإذا قالوا: إذا كان منعه ذلك فعذبه عليه يكون ظلمًا.
فنجيبهم بقولنا: إن كان منعه حقه كان ذلك ظلمًا، ولكنه منعه فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وقد أعطاه القدرة والعقل والاستطاعة على العمل، ولكن هو في نفسه امتنع من العمل، فاستحق بذلك العذاب، فهو يعذب بعمله، والله لم يمنعه من العمل، وإنما هو امتنع باختياره، وكل أحد يعرف ذلك من نفسه، فهو إن عمل فهو يعمل باختياره وبقدرته، وإن أحجم عن العمل وامتنع فهو يحجم باختياره وبقدرته.
أما توفيق الله وتزيينه الإيمان لعبده، أو عدم ختمه على قلبه فهذا فضل الله، والله أعلم حيث يضع فضله، فإنه لا يضعه إلا في موضعه؛ لأنه حكيم، وليس كل أحد يصلح أن يكون محلًا للفضل.
ولهذا لما دخل أبو إسحاق الإسفرايني على عبد الجبار المعتزلي، وكان في مجلس الصاحب ابن عباد، وفيه جمع من الأدباء والعلماء، قال عبد الجبار في نفسه: إنه سوف يخزي أهل السنة في شخص أبي إسحاق، فلما وقف عليهم وسلم قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقول عبد الجبار هذا يعني به أن أهل السنة يقولون: إن الله قدر على الكافر وعلى العاصي الكفر والمعاصي ثم عاقبه على ذلك، فهذه فحشاء، وقد فهم مراده أبو إسحاق فرد على الفور: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، وكان هذا الجواب مسكتًا له.
وهذا القول يعني: أنت وأصحابك تقولون: إنه يقع في الكون ما لا يشاؤه الله من الكفر والمعاصي، ونحن ننزه الله عن ذلك، حيث إنكم صرتم كالمجوس عندما جعلتم مع الله خالقين، تعالى الله وتقدس.
فأيهما أخزى؟ عند ذلك قال عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال له أبو إسحاق: أيعصى ربنا قسرًا -أي: وهو لا يريد- فيحدث في ملكه ما لا يشاء؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن حكم عليّ بالردى، ومنعني الهدى؛ أحسن إلي أم أساء؟ فقال له أبو إسحاق: إن كان منعك حقك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له، فهو يؤتي فضله من يشاء! عند ذلك قال الحاضرون: والله ليس عن هذا جواب، فكأنما ألقم المعتزلي بحجر فسكت، فصار الخزي له وليس لـ أبي إسحاق.
فالمقصود: أن حجة هؤلاء داحضة؛ لأنهم مبتدعون، وليس معهم إلا مجرد القياس أو الشبهات والهوى، وهذا يبطله الحق إذا جاء، والله جل وعلا يقول: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18] ، {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49] ، فإذا جاء الحق ذهب الباطل وزهق وانتهى، فهذه الشبهة داحضة، وليست في الواقع شبهة تستحق الوقوف عندها، ومع ذلك فهم قد ضلوا فيها.