فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 524

الرد على من قال: إن كلام الله معنى واحد

قال رحمه الله: [وقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النحل:101] ] .

المقصود بهذا الرد على الذين يقولون: إن كلام الله معنىً واحد، وأنه لا يبدل ولا يغير ولا ينسخ ولا يرفع منه شيء، ولا يكون منه شيء بدل شيء؛ لأنه معنى واحد، أراد المؤلف بهذا الرد على هذه الفرية، وفي قولهم هذا تعجيز لله جل وعلا، وكأنهم يدعون أنهم أكمل من الله تعالى، مع أنهم لا يقبلون أن يقال: إنكم تعجزون الله جل وعلا أن يتكلم، ولكن هذا هو الواقع حيث جعلوه جل وعلا: غير مخاطب وغير متكلم وغير منزل قوله! ثم من المعلوم أن هذا يلزم منه ألا يكون الرب جل وعلا أرسل أحدًا، بل ولا خلق شيئًا، بل ولا يقدر على شيء؛ لأن خلقه يكون بقوله إذا أرد شيئًا: (كن) فيكون تعالى الله وتقدس، فنفي ذلك إنكار لصفات الكمال لله جل وعلا؛ وذلك لأن الكلام هو الأصل في هذا، ومن ينكر الكلام يلزمه أن ينكر الرسالة؛ لأن رسالة الله جل وعلا لعبارة عن أمره عباده ونهيه لهم، وتشريعه لهم فمن أنكر ذلك لزمه إنكار الرسالة.

وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل:102] ، هذا الإنزال مقيد بأنه من الله، وهذا خاص بالقرآن الذي نزل من الله قولًا وقوله: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:102] ، يعني: أن الهدى في القرآن، ومن اهتدى فإنما يهتدي بالوحي الذي أوحاه الله، وقد أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ} [سبأ:50] فإذا كانت هداية الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله إليه فغيره لا يمكن أن يهتدي إلا بالقرآن الذي أنزله الله تعالى، وهذا معناه: أنه لا يجوز للمسلم أن يعبد الله بغير شرع الله جل وعلا، وقوله: {وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:102] ، البشرى: بضم الباء ما يعطاه المبشر، والبشارة مأخوذة من البشرة، والناس يسمون بشرًا؛ لأن أبشارهم بارزة ليس فيها شعور تغطيها كالبهائم؛ فسموا بشرًا لذلك، وإذا بشر الإنسان فإن أثر البشارة يظهر على وجهه، والبشارة إذا أطلقت فالغالب أنها تكون في الخير، أما إذا كانت في الشر فإنها تقيد.

وقد جعل الله جل وعلا هذا القرآن بشرى للمسلمين؛ وذلك لأن فيه: وعد الله بالجنة لهم، ووعده لهم بالنصر والتأييد والظهور في الدنيا إذا تمسكوا بهذا القرآن، والمسلم هو المنقاد للأمر، المستسلم لله جل وعلا، الذي ليس عنده اعتراض أو إباء وامتناع، بل هو منقاد مستسلم راغب في أمر الله، هذا هو المسلم حقيقةً، ومن كان بهذه المثابة فهو مبشر بالنصر والظهور في الدنيا، ومبشر بالجنة بعد الموت.

وقال الله جل وعلا: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103] وفي هذا قصة وهي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم -قبل الوحي- كان يجلس إلى رجل أعجمي، فلما جاء بهذا القرآن قالوا: إن ذلك الرجل الأعجمي هو الذي علمه هذا القرآن! كيف أعجمي ويعلمه القرآن العربي المبين الفصيح؟! فهذا من الافتراء ومن الكذب الذي يدركه كل أحد.

هذه الأدلة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى يقرر فيها: أن الله جل وعلا يتكلم، وأن كلامه يسمى حديثًا، ويسمى كلامًا، وأنه أنزل كلامه، وإذا كان كلامه منزلًا على رسوله فلابد أن يكون مسموعًا مقروءًا، ولابد أن يكون بالحروف والصوت، وكذلك لا فرق بين كونه يسمى كلامًا أو كتابًا أو أنه تنزيل من رب العالمين أو غير ذلك مما وصفه الله جل وعلا به، وأما التفريق بين ذلك فهو تفريق أهل البدع، وهو تفريق باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت