إذًا: فليس لهم فيه حجة، وهذا كثيرًا ما يتعلق به أهل المعاصي، وقد يقول الإنسان: هذه الأمور مقدرة ومكتوبة عليَّ، فكيف أصلي وأنا ما كتب لي أن أصلي؟ وكيف أهتدي وأنا ما كتب لي أن أهتدي؟ والواقع أن هذه مغالطة يراد بها إلقاء اللوم على القدر وإعفاء النفس من تبعة الذنب، وقد ضرب لذلك مثل في رجل موغل في الاعتماد على ذلك فيقول: كل شيء هو فعل الله، وأنا لا اختيار لي، وله أموال وقد وكّل وكلاء في تصريف أمواله، وكان معه رجل ناصح ينصحه بترك مخالفته، ويقول: اتق الله فإن الله أمرك بالطاعة ونهاك عن المعصية، فقد أمرك بالشيء الذي تستطيعه، ونهاك عن الشيء الذي تستطيع تركه، فيقول: أنا لم يكتب لي أن أطيع ولكن كتب علي أن أعصي، فكان هذا الناصح يترقب الفرص لينصح صاحبه، فجاء في أحد الأيام وكيل هذا التاجر الذي وكل بدوابه، فقال له: هلكت الماشية كلها، فقال: كيف هلكت؟ قال: رعيتها في أرض مجدبة ليس فيها شيء، فقال: كيف ترعاها في أرض مجدبة وعندك الأرض المخصبة؟! فقال: هذا قدر الله، فازداد غضبًا وحنقًا عليه، ثم بينما هو كذلك إذ جاءه وكيله الثاني فقال: المال هلك! فقال: لماذا؟ قال: إني سلكت طريقًا فيه قطاع الطريق فأخذوه، قال: كيف تسلك الطريق الذي فيه قطاع الطريق وهناك طريق آمنة، فقال: هكذا القدر فازداد عليه غضبًا، وبينما هو كذلك إذ جاءه الذي وكله بأولاده، فقال: أمرت الأولاد أن ينزلوا في البئر ليتعلموا السباحة فغرقوا، فقال: كيف تأمرهم وأنت تعرف أنهم لا يحسنون السباحة ولم تنزل معهم؟! فقال: هكذا القدر، فازداد غضبًا أكثر مما سبق، فقال له الناصح: يا هذا ألا تتقي الله؟! أتعتذر مع ربك جل وعلا بمثل ما يعتذر هؤلاء الوكلاء وأنت لا تقبل ذلك من وكلائك؟ فإن كان ما تقوله حقًا فهم أولى بالعذر، وإن لم يكن حقًا فيجب عليك أن تتنبه وتعامل ربك بما يجب أن يعامل، فانتبه الرجل، وقال: جزاك الله خيرًا الآن انتبهت وأيقنت معنى قوله جل وعلا: {عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة:216] فهذه المصائب وإن كانت مصائب فهي خير لي؛ لأني تنبهت واهتديت، فهذا مثال الذي ينكر أن تكون الأفعال وقعت باختياره، فإذا نهي عن المعصية، قال: هذا قدر الله! مع أن ترك المعصية يستطيع أن يفعله، وإن كان ذلك بالقدر فيجب أن يعالج القدر بالقدر، فالأقدار تدفع بالأقدار، كما وقع من أمير المؤمنين لما رجع عن دخول الشام لما أصابها الطاعون، حيث استشار الصحابة فأشير عليه بالرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرار من القدر؟ فقال: لو غيرك قالها، ثم قال: نعم فرار من القدر بالقدر، ثم قال له: أرأيت لو كان لك إبل وعندك واد جانب منه مخصب والجانب الآخر مجدب أيهما ترعى؟ فقال: أرعى المخصب، قال: أليس رعيك بقدر الله، قال: نعم، فقال: رجوعنا بقدر الله، فالمقصود: أن الإنسان يجب أن يفعل فعله الذي يرى فيه خيرًا ومصلحة ويكون ذلك واقعًا بقدر الله، وعليه أن يفعل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه.