وَقَالَ ابْن وَاصل بناها على دجلة من الْجَانِب الشَّرْقِي وَهِي بأَرْبعَة مدرسين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَعمل فِيهَا مارستانًا ورتب فِيهَا مطبخًا للفقهاء ومزملة للْمَاء الْبَارِد ورتب لبيوت الْفُقَهَاء الْحصْر والبسط وَالزَّيْت وَالْوَرق والحبر ورتب فِيهَا الْخبز وَاللَّحم والحلوى والفواكه وَكِسْوَة الشتَاء وَكِسْوَة الصَّيف وَجعل فِيهَا ثَلَاثِينَ يَتِيما ووقف على ذَلِك ضيَاعًا وقرى كَثِيرَة سردها الذَّهَبِيّ وَغَيره وَلكُل فَقِيه فِي الشَّهْر دِينَار وَشرع فِي عمارتها سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وأتمها فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَنقل إِلَيْهَا من الْكتب النفيسة وعدة فقهائها مِائَتَان وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ فَقِيها من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَشَيخ حديثٍ وَشَيخ نَحْو وَشَيخ طب وَشَيخ فَرَائض وَكَانَ غلال مَا وقف عَلَيْهِمَا فِي كل عَام نيفًا وَسبعين ألف مثقالِ ذَهَبا وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَمر الْمُسْتَنْصر بِضَرْب الدَّرَاهِم الفضية ليعامل بهَا بَدَلا عَن قراضة الذَّهَب فَجَلَسَ الْوَزير وأحضر الْوُلَاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عَلَيْهَا الدَّرَاهِم وَقَالَ الْوَزير قد رسم مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بمعاملتكم بِهَذِهِ الدَّرَاهِم عوضا عَن قراضة الذَّهَب رفقًَا بكم وإنقاذًَا لكم من التَّعَامُل بالحرام وَمن الصّرْف الرِّبَوِيّ فأعلنوا الدُّعَاء لَهُ ثمَّ أديرت وسعرت كل عشرَة دَرَاهِم بِدِينَار فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْقَاسِم بن أبي الحويل فِي ذَلِك أبياتًا من // (الْخَفِيف) //
(لَا عَدِمْنَا جميلَ رأيَكَ فِينَا ... أَنْتَ باعَدتَّنَا عَنِ التَّطفيفِ)
(ورسَمْتَ اللُّجَينَ حَتَّى أَلِفْنَاهُ ... وَمَا كَانَ قَبْلُ بالمألوفِ)
(لَيْسَ للجَمْعِ كَانَ منْعُكَ للصَّرْفِ ... ولكنْ للعَدْلِ والتعريفِ)
قلت تَأمل بَيته الْأَخير فَمَا ألطفه وَمن مناقبه أَن الْوَجِيه القيرواني امتدحه بقصيدة يَقُول فِيهَا من // (الْكَامِل) //
(لَو كُنْت فِي يومِ السقيفةِ حَاضرا ... كُنْتَ المقدَّمَ والإمامَ والأَوْرَعَا)
فَقَالَ لَهُ قَائِل بِحَضْرَتِهِ أَخْطَأت قد كَانَ حَاضرا الْعَبَّاس جد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم يكن الْمُقدم إِلَّا أَبُو بكر فَأقر ذَلِك الْمُسْتَنْصر وخلع على الْقَائِل ثمَّ أَمر بِنَفْي الْوَجِيه