السّفر أشرفه على التَّارِيخ وَجمعه بقائله عبد اللَّطِيف الْمَذْكُور فنال مِنْهُ مزِيد الْإِكْرَام وأنعم عَلَيْهِ بِقَضَاء مَكَّة المشرفة وَكَانَت سلاطين مصر وَغَيرهم يعقدون وُلَاة منفردين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَكَانَ غَالِبا لَا يُقيم النواب إِلَّا قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي وَالْبَاقُونَ يتعاطون الْأَحْكَام وَلَا يُقِيمُونَ نوابًا وَاسْتمرّ القَاضِي عبد اللَّطِيف مُتَوَلِّيًا إِلَى أَن عزل بِأول قُضَاة الأورام من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ القَاضِي صدر الدّين فورد إِلَى مَكَّة عَام ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَمن حِينَئِذٍ صَار الأفندي الْأَعْظَم يرد من الْجِهَات الرومية ويعقد لَهُ الْولَايَة من هُنَاكَ إِلَّا أَن الْقُضَاة كَانُوا يُقِيمُونَ القَاضِي الشَّافِعِي والمالكي والحنفي والحنبلي بطرِيق النِّيَابَة فَفِي زمن الأفندي ميرزا مخدوم أَقَامَ عَم جدي القَاضِي الْعَلامَة نور الدّين على زَاده ابْن مَوْلَانَا المرحوم إِسْمَاعِيل العصامي قَاضِيا شافعيًا وَأقَام القَاضِي نجم الدّين الْمَالِكِي نَائِبا مالكيًا وَأَرَادَ إِقَامَة حنبلي فَلم يَتَيَسَّر ذَلِك لعدم وجود حنبلي يقوم بِهَذَا الشَّأْن وَآخر من أَقَامَ ذَلِك بِمَكَّة الأفندي عبد الرَّحِيم الشعراوي عَام تَوليته لَهَا عَام خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّانِي من استقراره فِي الْملك جعل ديوانًا وأنعم على الوزراء وَأمرهمْ بترك شعار الْحزن ورقى الْعَسْكَر فِي الجوامك على حسب مَرَاتِبهمْ وانتظم الْحَال وَكَانَ ملكا صَالحا يترجم بِالْولَايَةِ كثير الْخَيْر وَالْإِحْسَان للْقَاضِي والدان وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثمانًا وَأَرْبَعين سنة وَهِي عديمة النظير فِيمَن مضى من هَذَا الْبَيْت الْمُنِير وَاسْتقر بهَا إِلَى أَن توفّي سنة أَربع وَسبعين فِي سَابِع عشر صفر وَهُوَ فِي محاصرة الْعَدو فأخفى الْوَزير مَوته وأركان الدولة وَأَرْسلُوا أوراقًا إِلَى كوتاهية لمولانا السُّلْطَان سليم وَبَين المحلين نَحْو ثَلَاثَة أشهر بسير الأثقال فَركب مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم وجد فِي السّير إِلَى بِلَاد اسطنبول ودخلها فِي ثامن ربيع الأول سنة 974 أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحمل السُّلْطَان سُلَيْمَان إِلَى دَار الْخلَافَة وَدفن فِي الْمحل الَّذِي عمره فِي عِمَارَته