فهرس الكتاب

الصفحة 1216 من 3465

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قَالَ: مَهْمَا عَبَدْتُمْ شَيْئًا، فَإِنّي لَا أَعْبُدُهُ، وَالشّرْطُ يُحَوّلُ الْمُسْتَقْبِلَ إلَى لَفْظِ الْمَاضِي، تَقُولُ: إذَا قَامَ زَيْدٌ غَدًا فَعَلْت كَذَا، وَإِنْ خَرَجَ زَيْدٌ غَدًا خَرَجْت، فَمَا: فِيهَا رَائِحَةُ الشّرْطِ مِنْ أَجْلِ إبْهَامِهَا؛ فَلِذَلِكَ جَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلَا يَدْخُلُ الشّرْطُ عَلَى فِعْلِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي أَوّلِ السّورَةِ: مَا تَعْبُدُونَ؛ لِأَنّهُ حَالٌ لِأَنّ رَائِحَةَ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا مَعَ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ رَائِحَةُ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِي قَوْلِهِ: عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ؛ لِأَنّهُ- عَلَيْهِ السّلَامُ- يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَوّلَ عَنْ عِبَادَةِ رَبّهِ؛ لِأَنّهُ مَعْصُومٌ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ تَقْدِيرُهُ بِمَهْمَا، كَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ فِي حَقّهِمْ؛ لِأَنّهُمْ فِي قَبْضَةِ الشّيْطَانِ يَقُودُهُمْ بِأَهْوَائِهِمْ؛ فَجَائِزٌ أَنْ يَعْبُدُوا الْيَوْمَ شَيْئًا، وَيَعْبُدُوا غَدًا غَيْرَهُ، وَلَكِنْ مَهْمَا عَبَدُوا شَيْئًا، فَالرّسُولُ عَلَيْهِ السّلَامُ لَا يَعْبُدُهُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ:

وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ عِصْمَةِ اللهِ لَهُ، وَلِمَا عَلِمَ اللهُ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، فَلَا مَدْخَلَ لِمَعْنَى الشّرْطِ فِي حَقّهِ عَلَيْهِ السّلَامُ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ الشّرْطُ فِي الْكَلَامِ بَقِيَ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ عَلَى لَفْظِهِ، كَمَا تَرَاهُ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اضْطَرَبُوا فِي إعْرَابِهَا وَتَقْدِيرُهَا لَمّا كَانَتْ مَنْ بِمَعْنَى الّذِي، وَجَاءَ بَكَانِ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، وَفَهِمَهَا الزّجّاجُ، فَأَشَارَ إلَى أَنّ مَنْ فِيهَا طَرَفٌ مِنْ مَعْنَى الشّرْطِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَتْ كَانَ بلفظ المعنى بَعْدَهُ، فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَنْ يَكُنْ صَبِيّا، فَكَيْفَ يُكَلّمُ؟! لَمّا أَشَارَتْ إلَى الصّبِيّ: أَنْ كَلّمُوهُ، وَلَوْ قَالُوا: كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ الْآنَ لَكَانَ الْإِنْكَارُ وَالتّعَجّبُ مَخْصُوصًا بِهِ، فَلَمّا قَالُوا: كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ كَانَ، صَارَ الْكَلَامُ أَبْلَغَ فِي الِاحْتِجَاجِ لِلْعُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ. إلَى هَذَا الْغَرَضِ أَشَارَ أَبُو إسْحَاقَ، وَهُوَ الّذِي أَرَادَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَفْظَهُ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْعِبَارَاتِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت