فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 3465

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشّمْسُ، وَقَالُوا: لَمْ يُرِدْ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إخْرَاجَ الصّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَإِنّمَا أَرَادَ الْحَثّ وَالْإِعْجَالَ، فَمَا عُنّفَ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ كُلّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ، وَفِي حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْحَرْثِ أَصْلٌ لِهَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا، فَإِنّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا الْأَنْبِيَاءَ: 79، وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشّيْءُ صَوَابًا فِي حَقّ إنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقّ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مَنْ اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَدّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى التّحْلِيلِ مُصِيبًا فِي اسْتِحْلَالِهِ، وَآخَرُ اجْتَهَدَ فَأَدّاهُ، اجْتِهَادُهُ وَنَظَرُهُ إلَى تَحْرِيمِهَا، مُصِيبًا فِي تَحْرِيمِهَا، وَإِنّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادّيْنِ فِي حَقّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِنّمَا عَسُرَ فَهْمُ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى طَائِفَتَيْنِ: الظّاهِرِيّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، أَمّا الظّاهِرِيّةُ فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِالنّصُوصِ، فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ النّصّ يَأْتِي بِحَظْرِ، وَإِبَاحَةٍ مَعًا إلّا عَلَى وَجْهِ النّسْخِ، وَأَمّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِتَقْبِيحِ الْعَقْلِ وَتَحْسِينِهِ، فَصَارَ حُسْنُ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ أَوْ قُبْحُهُ صِفَةَ عَيْنٍ، فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتّصِفَ فِعْلٌ بِالْحُسْنِ فِي حَقّ زَيْدٍ وَالْقُبْحِ فِي حَقّ عَمْرٍو، كَمَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي الْأَلْوَانِ، وَالْأَكْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذّوَاتِ، وَأَمّا مَا عَدَا هَاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ مِنْ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ، فَلَيْسَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ عِنْدَهُمْ بِصِفَاتِ أَعْيَانٍ، وَإِنّمَا هِيَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ، وَالْحُكْمُ مِنْ اللهِ تَعَالَى يَحْكُمُ بِالْحَظْرِ في النازلة على من أداه نظره وَاجْتِهَادُهُ إلَى الْحَظْرِ، وَكَذَلِكَ الْإِبَاحَةُ وَالنّدْبُ وَالْإِيجَابُ وَالْكَرَاهَةُ، كُلّهَا صِفَاتُ أَحْكَامٍ، فَكُلّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنْ التّأْوِيلِ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ مَا يَتَرَفّعُ بِهِ عَنْ حَضِيضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت