كما صحب أبو شامة أستاذه علم الدين السخاوي [1] ما يقرب من ثلاثين سنة بين سنتي 643614هـ، وقد كان السخاوي هذا «زاهد في صحبة رجال السلطان» كما كان «متعففا زاهدا مقتنعا باليسير» وكان للناس «فيه اعتاد عظيم فكانوا يزدحمون في الجامع لأجل القراءة ولا يصح لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان» . ومما يدل على زهده وتعففه خروجه مرة مع أبي شامة لزيارة المقابر، وفي هذه الزيارة لفت نظر أبي شامة إلى بيت كتب على قبر الفقيه ابن الشاغوري يقول:
ما كنت تقرب سلطانا لتخدمه ... لكن غنيت بسلطان السلاطين
وتتلمذ أبو شامة كذلك على عز الدين بن عبد السلام الذي أخرج من دمشق سنة 639هـ لقوة شخصيته وخوف سلطانها منه، فذهب إلى مصر وأقام بها حتى توفي سنة 660هـ وكان عز الدين بن عبد السلام هذا «شيخ المسلمين والإسلام وسلطان العلماء لم ير من رآه مثله علما وورعا وقياما في الحق، وشجاعة وسلاطة لسان» والسبب المباشر لإخراجه من دمشق أنه أسقط اسم الصالح إسماعيل، أميرها من الخطبة عند ما استعان بالفرنج وأعطاهم مدينة صيدا. وقد ساعد ابن عبد السلام في هذه الخطوة الشيخ جمال الدين ابن الحاجب إمام المالكية، وعند ما وصل إلى مصر تنحى له العلماء عن أماكنهم، وتأدب معه الشيخ زكي الدين بن عبد العظيم المنذري وامتنع عن الإفتاء من أجله وتقديرا له، وقال: ليس لها إلا عز الدين. وفي سنة 660هـ توفي ابن عبد السلام في مصر فخرج السلطان بيبرس في جنازته وحدّث خاصته قائلا: «اليوم استقر ملكي لي، فلو أمر عز الدين الناس في شأني بما أراد لأطاعوه مبادرين» .
طالت صحبة أبي شامة لهذين العالمين الجليلين، ولأمثالهما من أئمة الزاهدين، فتأثر بهم واتخذهم قدوة، ومثلا، فعزف عن المناصب الحكومية، وترفّع عن التكالب على أموال الأوقاف، وانصرف مدة، كما ألمحنا، إلى بساتينه الخاصة يفلحها بنفسه ويعتمد عليها وحدها في حياته حتى أغنى بيته وتمكن من إسعاد أهله وأقاربه المحتاجين، وصان وجهه عن الناس وأحسّ بالحرية والاستقلال، كما يقول في المذيّل [2] وقد سجل شعوره هذا في قصيدة أوردها في المذيّل في مائة وعشرة أبيات، وفيها يقول:
(1) يذكر أبو شامة أنه استفاد من السخاوي، علّامة زمانه وشيخ عصره، علوما جمة كالقراءات والتفسير وعلوم فنون العربية وأنه صحبه من شعبان سنة 614هـ. وقد توفي السخاوي سنة 643. أبو شامة: المذيّل ص 177.
(2) أبو شامة: المذيّل ص 226222.